تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وأما الذي من بحر الأفعال ؛ فيجري على أودية قلوب المريدين ، ويذهب منها زبد الشهوات ، وينبت فيها شقائق المعاملات وعبر المراقبات ؛ فسبحان الذي خصّ كل قلب من قلوب هؤلاء بمورد من موارد ألطافه ، ومشرب من مشارب أعطافه . قال الواسطي : خلق اللّه ذرة صافية فلاحظها بعين الجمال فذابت حياء منه ، فسألت ، فقال تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
فصفاء القلوب من وصول ذلك الماء إليه وجمال الأسرار من نزول ماء ذلك المشرب . وقال ابن عطاء :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً . . . .
الآية . فقال : هذا مثل ضربه اللّه للعبد ، وهو أنه إذا سال السيل في الأودية لا يبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها ، كذلك إذا سال النور الذي قسم اللّه للعبد في نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة .
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
يعني : قسمة النور ،
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
: في القلوب الأنوار على ما قسم له في الأزل .
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
« 1 » فتلك النور يصير القلب منورا ، فلا يبقى فيه جفوة ، و
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
يذهب البواطيل ، ويبقى الحقائق . وقال بعضهم : أنزل اللّه تعالى من السماء أنواع الكرامات ؛ فأخذ كل قلب بحظه ونصيبه فكل قلب كان مؤيدا بنور التوفيق أضاء فيه سراج التوحيد ، وكل قلب أيد بنور التوحيد أضاء فيه سراج المعرفة ، وكل قلب زين بنور المعرفة أضاء فيه أنوار المعرفة ، وكل قلب قيّد بنور المحبة أضاء فيه لهيب الشوق ، وكل قلب عمر بلهيب الشوق أضاء فيه أنس القرب ، كذلك القلوب ينقلب من حالة إلى حالة حتى تستغرق في أنوار المشاهدة ، وأخذ كل قلب بحظه ونصيبه إلى أن تبدو الأنوار على الشواهد من فضل نور السر . ثم إن اللّه سبحانه ضرب مثلا آخر في تقديس أسرار معاملات العارفين بقوله :
وَمِمَّا
هامش
( 1 ) كذلك العلم النافع تحيا به النفوس بعد الموت بالجهل والشك ، وتحيا به الأرواح بعد موتها بالغفلة والحجاب ، وتمتلئ به القلوب على قدر وسعها وسعتها ، وعلى قدر ما قسم لهم من علم اليقين ، أو عين اليقين ، أو حق اليقين ، وتتطهر به النفوس من البدع وسائر المعاصي ، ومثّل العمل الخالص الذي تصفّى من الرياء والعجب وسائر العلل ، بالحديد المصفى من خبثه ؛ لتصنع منه السيوف والآلات ، أو النحاس المصفى لتصنع منه الأواني ، وغيرها مما ينفع به الناس ، ومثّل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى أو الفضة ، إذا صفيت وذهب خبثها ؛ ليصنع بهما الحلي والحلل ؛ ليتزين بها أهلها . البحر المديد ( 3 / 161 ) .