تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦

[ تفسير الآية 13 ]

ثم وصف سبحانه أهل كمال بيداء توحيده الذين قاموا عليه بشرط الفناء من مشاهدة قدمه ، ورؤية بقائه بالوجد والأحوال والزفرات والعبرات والفناء والبقاء بقوله :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الرعد هاهنا شهقات الصديقين من الوجد والهيجان في بحار العظمة من وقوع أنوار تنزيه القدم في قلوبهم ؛ فرعد شهقاتهم لسان الربوبية تقدس ساحة كبريائه عن غار حوادث الحدثان والملائكة أرواح العارفين وهي فانية من إجلال عظمته ، ناطق ينطق أزليته بوصف ديموميته ، وإذا أشرق شوامخ القدم والبقاء من طلوع شمس الذات والصفات ؛ فيقع صواعق الكبرياء على أهل التجريد والتغريد ، فيفنيهم عن الحدثان وتحرقهم عن نفوسهم ؛ هكذا يفعل بهم سطوات القدوسية وسبحات الألوهية غيره على مشاهدة القدم . قال ابن البرقي : في هذه الآية يريكم أنوار محبته فمن خائف في استنارة وطامع في تجليه . وقال أبو علي الثقفي : ورود الأحوال على الأسرار كالبروق لا يمكث بل تلوح ، فإذا لاح فربما أزعج من خائف خوفه وربما حرك من محب حبه . قال أبو بكر بن طاهر : خوفا من اعتراض الكدورة في صفا المعرفة ، وطمعا في الملازمة في إخلاص المعاملة . وقال أبو يعقوب الأبهري : خوفا من القطع والافتراق ، وطمعا في القرب والاستباق . وقال بعضهم : خوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه . قال ابن عطاء : خوفا للمسافر ، وطمعا للمقيم . قال ابن الزنجاني : الوعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم . وقال الأستاذ : كما يريهم البرق في الظاهر ؛ فيرددهم بين خوف وطمع ، خوفا من احتباس المطر ، وطمعا في محبته ، وخوفا للمسافر في مجيء المطر ، وطمعا للمقيم في مجيئه ، كذلك يريهم البرق في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع ثم كالبرق في الضياء ، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة إلى المشاهدة ، ثم إلى الوجود ثم من قام الوجود إلى كمال الخمود . ويقال : البروق من حيث البرهان ، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان ، ثم يصير إلى نهار الفرقان ؛ فإن طلعت شموس التوحيد فلا خفاء بعده ولا استئثار ولا غروب لتلك الشموس . كما قيل : هي الشمس إلا أن الشمس غيبة ، وهذا الذي يفنيه ليس يغيب .