ولي قول آخر : إن القوم لما امتحنوا وبقوا في امتحانهم ولم يلجئوا إلى الحق نبعت بالتضرع والتواضع والافتقار ولم يغيروا موضع تقصيرهم في دعوتهم في الامتحان ؛ فأهملهم اللّه وألقاهم فيما هم فيه ولو خضعوا له أزال عنهم العلة والامتحان وأعوضهم النعمة مكان البلاء .
وقوله تعالى :
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
.
نبّه سر الآية أن جمهور السالكين لا ينجون من محل امتحانه ؛ فألزم عليهم نعت القهر ، كما ألزم عليهم نعت اللطف ، ولا ينفك عنهم نعت القهر ما داموا في العبودية كما لا ينفك عنهم نعت اللطف ، وذلك تربية منه لهم ، ولا ينفك عنهم وإن تضرعوا وخصوا أو سألوا زوال ذاك ، لكن يسهل عليهم جريان أقدار القهر فهو المجري عليهم وهو المستهل عليهم وذلك قوله :
فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
.
قال القاسم : إذا أراد اللّه هلاك قوم حسن في أمنيهم وأراد الهلاك حتى يمشون إليها بأرجلهم وتدبيرهم وهو الذي أتي بهم .
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 )
[ تفسير الآية 12 ]
قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
بيّن سبحانه هزمنا مقامات المريدين والمتوسطين حيث ذكر البرق والخوف والطمع ، وأين العارفون من مقام الخوف والرجاء وهم في قنوط النكرة وأمن المعرفة ، وأين هم من مقام البرق وهم محترقون في بروق شموس مشاهدة القدم والأزل ، هذا حال سلاك الطريقة إذا سافروا في بيداء المحبة والشوق وهم عطاش في سراب الحيرة ؛ فيتلطف بهم تعالى وينشئ شمال الشفقة وسحاب الألفة ويريهم برق تجلي المشاهدة ويمطر عليهم وابل أوصال من مزن الجمال ؛ فيخافون من فواته تارة ، ويطمعون بقاءه تارة ، وأيضا هو الذي يري المحبين برق المكاشفة ، ويكشف لهم نور المشاهدة وينشئ للعارفين سحاب العظمة الثقال بأنوار الهيبة ، ويمطر عليهم طوفان بحر الأزل والآباد ؛ فيفنيهم لطوارق العظمة ، ويحيهم بماء حياة ألوهية فسقر الإرادة تحت سحاب المنة ، وكشف برق المشاهدة وخوف الفرقة وطمع الوصلة .
كما أنشد الشبلي :
أظلّت علينا منك يوما سحابة * أضاءت لنا بقا وأبطا رشاشها
فلا غيمها يجلي فييأس طامع * ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها