تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ألا يا نسيم الريح ما لك كلما * تقربت منا زاد نشرك طيبا
أظن سليمي أخبرت بسقامنا * فأعطتك رياها فجئت طبيبا
وحكمة إلقاء القميص على الوجه أن قميص الحبيب لم يكن له موضع إلا وجه العاشق ؛ لذلك قال :
فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي
، وفي موضع يضع العشاق تراب قدام المعشوقين على عيونهم ؛ كيف لا يضعون قميص الأحباب على وجوههم ؟ وفي الحديث المروي : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا رأى وردا أو باكورة قبّلها ، ووضعها على عينيه ، وقال : « هذا حديث عهد بربه » « 1 » . قال النهر جوري : ألقى على وجهه نور الرضا ؛ فارتد يبصر مواقع القضاء . وقال بعضهم : لما جاء البشير من اللّه بالصلح منه في بكائه ، والتأسف على غيره ورد يوسف عليه السلام إليه . وقال سفيان : لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام قال له يعقوب عليه السلام : على أي دين تركت يوسف عليه السلام ؟ قال : على الإسلام ، قال : الان تمت النعمة .

[ تفسير الآية 97 ]

ولما عاينوا معجزة أبيهم ، وعرفوا مواضع الخطأ في فراستهم اعتذروا بقوله :
قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
أي : استغفر لنا ما قصرنا في واجب حقوقك ، وما بدا منا من إعلام عقوقك ، وقلة معرفتنا بنور فراستك ، وما يؤول عواقب أمور يوسف عليه السلام من شرف المنازلات والمقامات والنبوات والرسالات ، وأيضا استغفر لنا تضييع أوقاتنا في متابعة هوائنا ، واحتجابنا من رؤية ذنبنا ، وما أطيب حال الندامة ؛ لأن منها يتولد أنوار الكرامة . قال بعضهم : أزل عنا اسم العقوق بإظهار الرضا عنا . قال بعضهم : استغفر لنا ذنوبنا إليك وإلى يوسف عليه السلام . وقال بعضهم : في قوله :
إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
: جاهلين بأن اللّه يحفظ أولياءه في المحن .

[ تفسير الآية 98 ]

قوله تعالى :
قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
إن يعقوب عليه السلام كان عالما باللّه وأخلاقه العظيمة ، وبصفاته المنزهة ، وبالأوقات التي هو تعالى يقبل توبة المذنبين ، ويغفر ذنوب الخاطئين ، ويستجيب دعوة المضطرين ، وهو وقت تضوع مسك نفحات شمال وصلته في أرواح المقربين ، وفؤاد الصادقين ، وقلوب العارفين ، وأسرار الموحدين ، وعقول المحبين ، ونفوس المريدين ، وهم يعرفون منه مكان قبول التوبة ، واستجابة
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في « الدعوات الكبرى » ( 2 / 19 ) ، وابن السني في « عمل اليوم والليلة » ( 2 / 31 ) بنحوه .