تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وما ذكرنا من هذه المعاني الغريبة والتفاسير العجيبة من حقائق أمر الإلوهية لا يعرفها إلا أبناء المعرفة ونظّار المشاهدة . قال اللّه تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
: لا يعلمون مواضع تقدير الأزلية ؛ حيث دبّر أمور الحدثان من العرش إلى الثرى ، وكيف يطّلع الحدثان على قدم الرحمن . قال ابن عطاء : غالب على أمر نفسه ، أجراه على ما شاء إلى من شاء ، وصرفه عمّن شاء ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه الغالب في أمره الذي أمر عباده من طاعتهم ، إن شاء يسّر لهم من طاعته ، وإن شاء أعجزهم فيها . قال الواسطي : يصرفهم في تدبيره ويدبّرهم في تصريفهم ، ويجد منهم المفقود ، ويفقد منهم الموجود ، فالإضافات ضرب من الإشراك . ثم وصف اللّه سبحانه بلوغ يوسف أشد النبوة والولاية والتأييد الأزلية ، وما وهبه من

[ تفسير الآية 22 ]

أنوار العلوم والحكمة بقوله :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
:
أَشُدَّهُ
: تمكينه واستقامته في المعاملات والحالات ومراتب الآداب في العبودية كشف له تصرفات الربوبية في معادن المكاشفة .
حُكْماً وَعِلْماً
: حكما بالعبودية ، وعلما بالربوبية ، حكما بالطريقة ، وعلما بالحقيقة ، حكما بممالك الدنيا ، وعلما بممالك الآخرة .
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
: نجازي المحسنين الذين راقبوا اللّه سرّا وعلانية ، وبذلوا مهجتهم باللّه وفي اللّه إلى الأبد . قال النصر آبادي في هذه الآية : لما عقل عن اللّه أوامره ونواهيه والاستقامة معه على شروط الأدب أعطيناه حكما على الغيب في تعبير الرؤيا ، وعلما بنفسه في مخالفة هواها .

[ تفسير الآية 23 ]

قوله تعالى :
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ
: كانت مستغرقة في العشق الروحاني فغلبت عليها شهوة العشق ، فراودته ، وذلك أن رعونة سر الطبيعة صارت منجذبة برقة عشق الروحاني إلى معدنه فغلظت وصارت محجوبة بالطبيعة من الحقيقة .
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ
: لمّا كان عشق يوسف عليه السلام في قلبها ، وصورته مصورة في خيالها لا يحتاج إلى غلق الأبواب ، فإن قيد همتها حكمة همّت يوسف حين همّت به وهمّ بها أغلقت أبواب أسرار عشقها على يوسف ، فصارت فاشية بأن العشق لا يبقى الكتمان :
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر