صفاته إياهم ، فبقيت تلك الصلاحية .
قال بعضهم : ما أخذ أحدا إلا بجريرته ، ومن لزم الصلاح والطاعة وقاه اللّه الآفات ومكاره الدارين ؛ لذلك قال :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
.
قال أبو سعيد القرشي : الصلاح هو الرجوع إلى اللّه في كل نفس بالابتهال والتضرع .
قيل : في تفسير الطاهر وأهلها ينصف بعضهم بعضا .
[ تفسير الآية 118 ]
قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
: أي : على سبيل واحد من توحيده ومعرفته وقربته ومشاهدته ، ولكن حكمته الأزلية وعلومه القدمية تفرّقهم في طرق المعارف ، وأعطي كل واحد منهم سبيلا يسلك فيه من معرفة ذاته وصفاته جميعا ، فيسيرون إليه بسبيل الصفات وطريق الذات على حسب مذاقهم ومشاربهم ، فبعض في المعرفة ، وبعض في التوحيد ، وبعض في العشق ، وبعض في الشوق ، وبعض في الإرادة ، وبعض في الحالات وبعض في المعاملات ، ولا يشبه حال المريدين حال المتوسطين ، ولا حال المتوسطين حال العارفين ، وحال العارفين حال الأنبياء والمرسلين ، وتقدر علومهم ومعرفتهم ، ولم يرتفع الاختلاف بينهم .
قال اللّه تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
أي : مختلفين في الأحوال والمقامات والأفعال والأقوال ،
[ تفسير الآية 119 ]
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
ويبلغه إلى مقام الغيبة عنه من ولهه في أنوار القدم ، وفنائه في سطوات الأزل ، وأيضا : إلا من يبلغه مقام الصحو والتمكين حتى يطلع على الكل ، فلا تخالفهم فيما هم فيه ؛ لأنه في مقام الاتصاف ونعت التمكين خارجا عن التلوين .
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
أي : طباعهم مجبولة باختلاف ترقي المقامات ودرجات الحالات ، وهذه سنة اللّه جرت في الجميع ، قال تعالى :
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ *
، ويمكن أن الجميع خلقهم للمخالفة في البدايات ، وللموافقة في النهايات في هذه المقامات وهذه الدرجات ، ويمكن أن الجميع خلقوا للرحمة ، وهي الموافقة في النهاية بعد عبورهم على بحار الأحوال والأعمال ، إذا وصلوا إلى بحار المشاهدة ، فيفرقون فيها ، ولا يعرف هناك في تلك الساعة الوضيع من الشريف ؛ لأنّها منازل الشرفات وحقائق المدانات ، وهو بجميعهم رؤوف رحيم .
إذا طلع الصباح لنجم راح * تساوى فيه سكران وصاحي
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 120 إلى 123 ]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 )