[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 75 ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 )
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
: الذين شاهدوا بأرواحهم مشاهدة الأزل ، حين عرّف سبحانه نفسه لها بتحقيق الخطاب ، بقوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] .
قالوا : بلى ، فصحبتها أنوار مشاهدته من الأزل إلى الأبد بنعت المعاينة ، وحلاوة السماع ، ومواجيد واردات القرب ، مع اتّصال نور الغيب على السرمدية ، وهاجروا عن حظوظ طباعها من الأكوان والحدثان ، وجاهدوا في مكابدتها في محلّ الامتحان مع النفس ، والشيطان لرضا الرحمن ، وخوف الهجران ، فلما اتّصفوا بهذه الأوصاف حصل لهم حقائق الإيمان والعرفان ، وسمّاهم محقّقين في الإيقان ، بقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
.
ثم ذكر امتنانه عليهم بغفرانه حركات ضمائرهم في وقت الامتحان ، وتقصيرهم في حقيقة العرفان ، وكشف جماله لهم في مرآة البرهان ، بقوله :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
: سترهم عن عين القهر ، حتى لا تصل إليهم ضرب عين القهريات ، ورزقهم رزق قربه بكشف المواصلات .
قال أبو يزيد : جهاد النفس في هجرانها نزعها عن المألوفات ، وإجراؤها على سبيل اللّه بإسقاط العلائق عن المال والأهل ، وذلك قوله تعالى :
وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا
.
وقال بعضهم : أي : فارقوا قرناء السوء ، والأعمال القبيحة ، والدعاوى الباطلة .
قال بعضهم : آمنوا ببذل القلوب للّه ، وهاجروا ببذل الأملاك للّه ، وجاهدوا ، وابذلوا الروح للّه في سبيل اللّه ، فمن بذل قلبه لمحبّته ، وبذل ملكه لرضاه ، وبذل نفسه وروحه لإعزاز دينه كان محبّا حقيقة ، ومن كان محبّا حقيقة كان مؤمنا حقّا .
قال أبو بكر الوراق : فضّل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم بشيئين : بصحبتهم مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمجاهدة معه ، وهجرانهم إلى اللّه بالسرائر ، وغربتهم مع أنفسهم .
ألا ترى اللّه تعالى يقول : الذين أمنوا من طوارق الخذلان ، وهاجروا بقلوبهم في ملكوت الغيوب ، وجاهدوا أنفسهم على طاعة رسوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
، حقيقة إيمانهم ما قدم من الثناء عليهم ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
.
بيّن سبحانه أن ميراث الأولياء والصدّيقين من العلوم الغيبيّة ، والحكم الغريبة ،