تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
ثم منّ على أصحابه حين بلغوا هذه الرتبة ، بقوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ
أي : ما تفعلون بقوّتكم في المجاهدات والجهاد ، فأنصركم بقوّتي ، وأريحكم بكشف مشاهداتي عن مشقّة المجاهدة ، وما أفعل لكم خير مما تفعلون لأنفسكم . قال ابن عطاء : ما في السماء لا يوجد إلا بالافتقار ، وما في الأرض لا يوجد إلا بالاضطرار . وقال النصر آبادي : هذا التخفيف كان للأمّة دون الرسول عليه السلام ، ومن لا تثقله حمل أمانة النبوّة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للامتداد ، وكيف يخاطب به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو الذي يقول : « بك أصول وبك أجول » « 1 » . ومن كان به كيف يخفّف عنه ، أو يثقل عليه ؟ قوله تعالى :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
. أخبر سبحانه عن سرّ فطرة النفس الأمّارة التي من حيلة ما إن تميل في أكثر الأوقات إلى شهواتها ، وذلك ميلان النفس ، لا ميلان القلب . أخبر عن الخطرات دون الوطنات ، وحاشا أنهم يريدون عرض الدنيا ، ولا يريدون مشاهدة الحقّ ، ولقاء الآخرة لكن ما مسامحهم اللّه في حرمان تلك الخواطر لقدس أسرارهم ، وطهارة نيّاتهم في معرفته وخدمته ، ألا ترى كيف حذّر نبيّه صلى اللّه عليه وسلّم مع جلالته عن النظر إلى عرض الدنيا ، بقوله :
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الكهف : 28 ] ، وقال تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ
[ طه : 131 ] أي : تريدون الرفاهية في المجاهدة من قبيل خاطر النفس ، وأنا أريد بكم كشف مشاهدة الآخرة ، ووصولكم إلى مقام القربة والمشاهدة . قال جعفر : ما يريد اللّه لكم خير مما تريدون لأنفسكم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 69 إلى 71 ] فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 )
هامش
( 1 ) ذكره القشيري ( 3 / 53 ) .