[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 165 إلى 166 ]
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 166 )
قوله تعالى :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
: وصف اللّه قوما من أمة كليمه عليه السلام ، الذين وصل إليهم ما منّ اللّه على موسى بكشف الأنوار لأرواحهم ، وفتح آذان قلوبهم لسماع خطابه ، هم وجدوا اللّه باللّه ، واتّصفوا بصفاته ، فأخبر الحقّ عن اتّصافهم بصفاته ، حيث قال :
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
: والهداية صفته ، أي : يهدون بنور اللّه عباد اللّه إلى اللّه لا بهم ، وهم على الحقّ لا بصورة العماء والغلط والظنون والحظوظ ،
وَبِهِ يَعْدِلُونَ
أي : بعدله وباتّصافهم بعدله ، يعدلون بين الحقّ للحقّ ، لا لأنفسهم يتّصفون باللّه للّه ، لا يخافون لومة لائم :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
[ المائدة : 54 ] .
قيل : يدلون الخلق على طريق الحق ، وإيّاه يسلكون ، ثم وصف اللّه قوم موسى بأنهم على اثني عشر طريقا من طرق المعارف ، بقوله :
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً
« 1 » .
وجعل ضرب موسى الحجر مثلا لانفتاح قلوبهم مشارب الألوهية ، بقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
: ضرب يد الأحدية بعصا العناية صفوان الأزل ، فظهر من عيون القدم ، وبحار الأولية لأرواح الموحّدين ، وقلوب العارفين ، وعقول العاشقين ، وأسرار الشائقين ، وهمم المحبّين ، وأفئدة الموقنين ، وخواطر المكاشفين ، وصدور المشاهدين ، وعلوم السالكين ، ونيّات الصادقين ، ومزار نور الراضين ، ووجود المريدين
اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
: من عيون الصفات الخاصة لعرفان أهل العيان .
منها : عين القدم ، وهي مشرب أرواح الموحّدين .
ومنها : عين البقاء ، وهي مورد قلوب العارفين .
هامش
( 1 ) قال ابن عجيبة : ( أسباطا ) : بدل لا تمييز ؛ لأن تمييز العدد يكون مفردا ، والتمييز محذوف ، أي : فرقة أسباطا . وقال الزمخشري : يصح تمييزا ؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط ، فكأنه قال : وقطعناهم اثنتي عشر سبطا سبطا . والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة عند العرب ، و ( أمما ) : بدل بعد بدل على الأول ، وعلى الثاني بدل من أسباط . يقول الحقّ جلّ جلاله : ( وقطّعناهم ) أي : بني إسرائيل : فرقناهم ( اثنتي عشر أسباطا ) ؛ اثني عشر سبطا ، ( أمما ) : متميزة ، كل سبط أمة مستقلة . البحر المديد ( 2 / 301 ) .