تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
أنشدوا :
فباليل كم من حاجة لي مهمة * إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا
ويقال : أشد الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب ، لهذا موسى عليه السلام كان غريق الوصلة واقفا في محل المناجاة محدقا به التولي غالبا له بذهاب الوجود في عين ذلك ، كان يقول :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
كأنه غائب عن الحقيقة لا ولكن ما إذا أزداد القوم شربا إلا ازدادوا عطشا ولا ازدادوا قربا إلا ازدادوا أشوقا ؛ لأنه لا سبيل إلى الوصال بالكمال والحق سبحانه لقبول أسرار أصفياه عن مداخل الملال . ويقال : فمال موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
فلا أقل من نظرة ، والعبد قتيل هذه القصة هو بل بالرد ، وقال :
لَنْ تَرانِي
فكذا قهر الأحباب . ولذلك قال قائلهم :
جور الهوى أحسن من عدله * وبخله أظرف من بذله
ويقال : لمّا سمعت همته إذا أسنى الطلبات ، وهي الرؤية قوبل بلن ، فلمّا رجع إلى الخلق قال : للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا . قال الخضر له : لن تستطيع معي صبرا قابله بلن ، فصار الرد موقوفا على موسى عليه السلام من الحق ومن الخلق ، ليكون موسى عليه السلام بلا موسى عليه السلام صافيا عذوبا عن كل نصيب لموسى عليه السلام من موسى عليه السلام ، وفي قريب منه أنشدوا :
أنني أبينا نحن أهلّ منازل * أبدا غراب البين فيها ينعق
ويقال : طلب موسى عليه السلام الرؤية وهو بوصف التفرق ، فقال :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 1 » ، فأجيب ب
لَنْ
عين الجمع أتم من عين التفرقة فزع موسى عليه السلام حتى خرّ صعقا ، والجبل يصير دكا ، ثم الروح بعد وقوع الصعقة على القالب يكاشف بما هو حقائق الأحدية ، وكون الحق لموسى عليه السلام بعد إمحاء معالم موسى عليه السلام ، خير لموسى عليه السلام من بقاء موسى عليه السلام لموسى عليه السلام فإن على التحقيق شهود الحق بالحق أتم من بقاء الخلق بالخلق ؛ لذا قال قائلهم لوجهها من وجهها قمر ، ولعينها من عينها كحل .
هامش
( 1 ) إشارة لها أرق من هذه ، وعلى التوفية في الأمور كلها ؛ لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء ، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال . وعلى الوفاء بالعهد ، وأعظمها عهد الشيوخ المربين ، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين ، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة . وباللّه التوفيق ، البحر المديد ( 2 / 221 ) .