تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
الربوبية ، وكوشف بمقام الألوهية سائلا حل عقدة من لسانه ؛ ليكون إذا كان ذلك مالكا لنطقه وبيانه . وقيل : لمّا سأل ملكيه شرح صدره ، ثم نظر إلى أليق الأحوال به ، فإذا هو تيسر أمره فسأل ذلك على التمام ليترقى به حاله إلى أرفع المقام وهي المجيء إلى اللّه باللّه ، لمّا علم أن من وصل إليه لم يعرض عليه عارضة ، حينئذ صلح المجيء إلى اللّه وحده بلا شريك ولا نظير ، وكان ممن وفيّ المواقيت حقها غابت عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن غيبه ظهوره وما عداها إلا ما كان للحق منه ومعه ، حتى تحقق بقوله تعالى :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
[ طه : 36 ] ، ولقد مننا عليك مرة أخرى فهذا حال لمجيء ، وهذا معنى قوله :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا
، وقوله :
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
، أنه انفرد بكلامه لأنه كان قبل ذلك مكلما بالسرّ والسفراء والوسائط . فلمّا أتى اللّه تعالى به إلى المقام الأجل وحققه بالحال الأعظم الأرفع خاطبه مكلما على الكشف وغيبته عن كل عين رائية ومرئية ، وكل صورة مكونة ومنشأة إلا ما كان من الكليم والمكلم ، وأفرد اللّه عنده بالشرف الأعظم فسمع خطابا لا كالمخاطبات فاهتاج منه وله عند ذلك طالبا لا كالمطالبات واقتضى من اللّه ما لم يكن قبل يقتضيه ، فلذلك سأل النظر إليه إذا رجع إلى حقيقة ، فرأى اللّه في كل منظور له ومنصور ، فلمّا تحققت له هذه الأحوال ، قال :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، فإن في كل مرئي أرجع إليك ، أي أرني ما شئت فلست أرى غيرك مقابلي إذا تحققت بما حققتني به ، إنك غير مسائلي ، ألم يدلك على ذلك خطابه ورجعته إليه إذ ذاك جوابه أرني فإليك أنظر وأحضراني ما شئت فلست غيرك أحضر بعد أن تحققت منك بحال يوجب لي منك ذاك ، وحق لمن تحقق بهذا أو تمكن فيه أن ينفرد بسؤال لا يشارك فيه بالحقيقة . ويقال : صار موسى عليه السلام عند سماع الخطاب بعين السكر ، فنطق بما نطق والسكران لا يؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف . ويقال : أخذته عزة السماع فخرج لسانه عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه من الأريحية وبسط الوصلة . ويقال في القصص : إنه كان يحتمل في الوعد كلمات الخلق . ويقول : لمعارفه لكم كلام معه ، ولكم حاجة إلى اللّه فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته ، ثم أنه لمّا جاء وسمع الخطاب لم يذكر ما دبره في نفسه ، وتحمله من قومه وجمعه في قلبه سينا ولا حرفا ، بل أنطق بما صار في الوقت غالب قلبه ، فقال :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
وفي معناه