تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 147 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 ) قوله تعالى :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
أي : من سنة اللّه سبحانه إذا أراد أن يشرف عبدا من عباده بمقام لم يكن له ذلك وقربه منه وناجاه وأظهر عليه عجائب ملكه وملكوته ، يصفيه عن كل كدورة ، ويخلصه عن كل همه ، ويروضه بأنواع مجاهدة ، ويخلي بطنه عن الطعام والشراب إلا ما يقوى به صلبه ليحرق بنيران الجوع غواشي قلبه ، وتقدس من قلبه مكان نظره ، ويغسل بمياه المجاهدة جوارحه ، ويزويه في الخلوات ، ويشوقه بلطائف المناجاة إلى المشاهدات وله أوقات وساعات لفتح أذان قلوب أوليائه وأبصار أرواح أصفيائه ؛ ليسمعها كلامه ويبصرها جماله وجلاله ، وتلك أوقات تضوع عطر مشاهدته لأهل خلواته ومناجاته لا يستنشق تلك الروائح إلا المعترضون لها في المراقبات والرعايات ، وأخبر من تلك الأسرار سيد أهل الأنوار صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحات اللّه » « 1 » ، ومن تلك الأربعين صارت الأربعين سنة لأولياء اللّه في بداية أمرهم في الخلوة والرياضة بخلوص نياتهم مع اللّه سبحانه ؛ لوجدان حكمته الأزلية وأبنائه العجيبة ، ومكاشفته البديعة ؛ لأنها عرائس اللّه لا تنكشف إلا المتفرد عن غير اللّه ، وأخبر بشرائف ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « من أخلص اللّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قبله على لسانه » « 2 » ، ما طاب زمان الوصال ومواعيد كشف الجمال لمّا طاب وقت كليم اللّه في مناجاته حبيبه بعد تمام ثلثين ليلة لم يستوف وطره من لذيذ خطابه ولطف جماله ؛ فعلل بالسؤال ليستزيد المقام في شهود العين ، فعلم تعالى حرق شوقه ولهيب حزنه وزيادة عشقه ومحبته ، فزاد على أوقات الوصال بقوله :
وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ
، وقال :
فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
، ومراده بالأربعين تواتر الحالات والاستقامة في الواردات ؛ ليحتمل بعد ذلك بها أوقات بديهات الكشوف وبروز أنوار القدم ذكر الليالي لخلو الأسرار عن نظر الأغيار وصفاء المواصلة عن غبار المخالفة ، فيالها من سماع ما أطيبه ومن خطاب ما ألذّه من جمال ما أشهاه ومن قرب ما ألطفه .
فكان بالعراق لنا ليال * سلبناهنّ من ريب الزمان
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 111 ) . ( 2 ) رواه هناد في الزهد ( 670 ) بتحقيقنا .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 459 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )