تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
قال الجريري : إذا أحيى عبدا بأنواره لا يموت أبدا ، وإذا أماته بخذلانه لا يحيى أبدا . وقال جعفر عليه السلام : أو من كان ميتا بابتعاده عن الطاعات
فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ
نور التضرع والاعتذار . وقال بعضهم :
مَيْتاً
برؤية الأفعال
فَأَحْيَيْناهُ
برؤية الافتقار . قال القاسم : أحيا أولياءه بنور الانتباه كما أحيى الأجساد بالأرواح . وقال سهل :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً
بالجهل
فَأَحْيَيْناهُ
بالعلم . وقال ابن عطاء :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً
بالانقطاع عنا
فَأَحْيَيْناهُ
بالاتصال بنا
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
أيضا ، لا كمن تركناه في ظلمة الانقطاع . وقال الأستاذ : الإيمان عند هؤلاء القوم حياة القلب باللّه ، وأهل الغفلة إذ ألهموا الذكر ، فقد صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتا ، وأرباب الذكر لو اعتراهم نسيان ، فقد ماتوا بعد الحياة ، والذي هو في أنوار القرب ، وتحت شعاع العرفان ، وفي روح الاستبصار لا بدّ أنه من هو في أسرار الظلمات ، ولا يساويه من هو رهين الآفات . وقد وجد خاطري خاصية لطيفة في حقيقة تفسير الآية : إن المراد بالميت : الفاني في عالم نكرة التوحيد ؛ حيث بدت له صواعق سطوات الكبرياء والعظمة ، فأحياه بروح بقائه ومشاهدة أبديته ، حيث ينتعش من بيداء النكرة بأنوار المعرفة ، يمشي بالأسرار والأرواح في أنوار البقاء ، لا يحتجب عن أنوار جمال وجهه أبدا ، فيحيي به كل قلب ميت ، وتطمئن برؤيته كل نفس مفترة عن طاعة ربها ، مفتونة بظلمات شهواتها ، ولمّا استأثر إحياء ميته وإعطاء نوره لنفسه ومدحه بذلك وبيّن مزيته على المدبرين حصّن نفسه بالعلم الإلهي بوضع ولايته ورسالته في الأماكن المستعدة بقبول نوره وهدايته بقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
، بيّن أنه يعلم من بطنان صميم الفؤاد والأرواح والأسرار ، وخزائن مواهبه السنية من النبوة الولاية والرسالة والمحبة والمعرفة ، ونبّهنا بأنه أراد في الأزل وضع ودائع أسراره في ملكوت القلوب ، فنظر من نفسه إلى نفسه ، فأشرق نور صفاته وذاته ، وسطع ضياء مشاهدته ، ثم عكس ذلك إلى غيب غيبه ، فأظهر منه أرواح القدسية الملكوتية اللاهوتية ، فوضع في نفوسها أنوار الولاية والرسالة والنبوة ، وأفردها بتلك الخاصية عن جميع الخلائق تفضلا وكرما ، ما اعترته في ذلك علّة الحوائج ، لكن جعلهم سبل الخلق والمناهج ، بهم يهتدون إلى عبودية خالقهم وعرفان ربوبية سيدهم ، ومن خصّه اللّه بذلك لا يضرّه حسد الحاسدين ولا كيد الكائدين ، بل يزيد شرفه أبد الآبدين ، والحمد للّه الذي خصّ نبينا صلى اللّه عليه وسلّم بذلك صلى اللّه عليه وآله وسلم ، إرغاما لأنوف عواديه ، وانتصارا لمواليه .