تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
يكون كذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) قوله تعالى :
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
أدق طريق معارفه ؛ حيث أسبل نقاب العظمة على وجه جلال القدم ، وضرب سرادق العزة على ساحات الكبرياء ؛ حتى لا يصل إلى إدراك كنه قدمه وبقاء ديموميته . وبيّن ذلك في كلامه القديم ، أي : خوف بما وصفت نفسي بامتناعي عن مطالعة الخليقة وإدراكها سر حقيقة وجودي في كتابي وخطابي ، الذين يخافون من قطيعتي ، ويعلمون تنزيه جلالي عن أن يصل أحد إليّ بطاعته حين أحشر إليّ بعلل الإنسانية وسمات النفوسية ، إن الأمر هناك أجلّ من أن تخطر بخواطرهم ، وأدقّ من أن يفهم أحد ، فإن مكري قديم ، وصفتي تنزيه ، لو أحرق جميع المخلصين بنيران البعد بعد أن يكونوا من أهل القرب ، فلا أبالي فإن كيدي متين ، ولو يأتونني بملء السماوات والأرض إخلاصا ، وأريد أن أرفق عليهم بإخلاص الإخلاص لا يخلصهم إخلاصهم من دقائق حسابي . وما أطلع عليهم من خطرات ضمائرهم المسيرة إلى غيري ، ولو أمنعهم مني من يتولى أمرهم بإرجاعهم إلى غيري ، وهذا معنى قوله تعالى :
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
لعلهم يتقدسون من نفوسهم بقدس تذكرتي وذكري لهم ، ويخافون مني بقلة خوفهم عني . قال أبو عثمان : أهل المعاملات وأرباب الصدق في ذلك خائفون ممّا يبدو لهم من الإيمان والتوكل واليقين وأنواع العبادات ، وعرض ذلك على ربهم يشغلهم خوف ذلك من رؤية أفعالهم والتلذذ والاعتماد عليها ، قال اللّه تعالى :
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ
. . . الآية . وقال أبو سعيد الخرّاز في الآية :
أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
: أن يجعلوا إليّ وسيلة أو شفيعا إلى نفسي سواي . قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان يقول : لسنا مخاطبين بحقائق القرآن ، إنما المخاطب بحقيقته هم الذين وصفهم اللّه ، فقال :
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ . . .
الآية ، وقال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] . وقال الواسطي في قوله :
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
: من استقطعته المملكة عن الملك لا يصلح لخدمة الملك .