تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 136 إلى 138 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ( 137 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 ) قوله تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ
العدل صفة الحق ، فمن اتصف بصفته يكون عادلا في جميع الأحيان ، لكن ما كان العدل مستعارا في التخلق يرجع إلى معدنه عند الامتحان ، ولذلك قال تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا
، وهاهنا أجدر أن ينصرف العدل إلى معدنه ؛ لأن ميلان الأرواح والأشباح بعضها بعضا علّة الفطرة ، وحبّ النساء من أحكام العشق الروحاني طبعا وطلبا لمعدن حسن الأزل ، فكيف تكون الاستطاعة من النفس بالعدل بينهن والروح في طلب زيادة الحسن أبدا ! ولذلك قال تعالى :
وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
أي : أرموا النفوس بأزمة المجاهدة والرياضة والمراقبة عند امتناعها من الخضوع عند أمر خالقها . قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في قوله :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ
: فكيف تستطيعون العدل بينكم وبين الحق وليس من العدل أن تحب ما يشغلك عن حبيبك ، وليس من العدل أن تفتر عن طاعة من لا يفتر عن ترك . وقال الواسطي في قوله :
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
الجوارح تبع للقلب ؛ لأنه أمير أمرك أنّ تخالفه إذا خالف الحق .
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
التقوى حقيقة العبودية ، ولا يستقيم أمرها إلا بأداء حقوق التقوى ، وهي الاجتناب مما منعه اللّه من النفس والهوى ، ومعنى
أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
أي : أنظروا بأبصار القلوب إلى عالم الغيوب ترون سبحات عظمتي وجلال عزتي الذي ينبغي للعباد أن يدونوا تحت تجليه . قال بعضهم : أمر الكل بالتقوى ، وأوصل النفس إلى التقوى ، من جرى له في السبق عناية . قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ
أمر سبحانه العباد بالإنصاف والقسط والعدل في الشهادة ؛ لئلا يتنوع الحكم حين تميل النفس إلى غير اللّه ، أي : راقبوني في أمري ، ولا تراقبوا غيري ؛ فإن الشاهد العادل إذا كان مراقبا لي يرى شهودي على كل ذرة ، فيفرغ بي شهادته من شهودي .