قوله تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
كما أن في الآية تخويفا لمحب الدنيا ، وترغيبا لطالب العقبى الذي هو مطيع اللّه بنعت التقوى .
وأيضا : فيها إشارة إلى أن العارف أخذ التوسع ، وألف الرخص بعد احتراقه في المجاهدة والرياضة بنيران المحبة ؛ لأنه لا ينكر عليه أحد لم يبلغ إلى درجته ، فإن الدنيا بأسرها لو كانت ذهبا وجواهر ومسكا وعنبرا ووردا وريحانا ونساء ومركبا وثيابا حسنة ومجالس رفيعة قليلة في جنب ما يحتاجه إليه ؛ لأنه يريد أن يسلّي قلبه في فراق محبوبه بشيء مستحسن من الحدثان ، ولا يكفيه جميع المستحسنات من العرش إلى الثرى ، فكيف بشيء قليل من قليل ، وإن اللّه سبحانه يسلي فؤاده بقوله :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
أي : لمن يصبر في مجاهدته وشوقه إليّ من الاستئناس بهذه المستحسنات القليلة ؛ لأن في الآخرة كشف جمالي له ، الذي هو راحة لا راحة فوقها ، كما قال عليه السلام : « لا راحة للمؤمن دون لقاء اللّه » « 1 » .
قال الواسطي : هوّن الدنيا في أعينهم ؛ لئلا يشق عليهم تركها .
قوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
ظاهره تخويف للمخالفين ، وباطنه توجيه للمشتاقين ، أي : لا تخافوا أيها المشتاقون إلى لقائي ؛ فإني آتيكم بأحسن ما تظنون بي ، فأريحكم من سجن الدنيا ، وأوصلكم إلى مجلس وصلتي أينما كنتم ، فأنا معكم ، فإذا حان وقت القربة أسلبكم من أيدي المنايا ، وموتكم خروج أرواحكم بظهور مشاهدي كحجر المغناطيس حيث يظهر بجذب الحديد إليه .
وفيه إشارة : أي : لو طرتم بجناح الروحانية فوق الملكوت لتكون أجسامكم كأرواحكم يدرككم سطوات عظمتي منزل أرواحكم من أجسامكم ؛ لأن الأجسام الترابية لا تقوم بإزاء كشف عظمتي إلا بترتيبي إياها في مواقف العرض الأكبر ، ومثل هذا الموت يكون فرح المؤمن العارف به ، وهو بشارة الحبيب له ، يبشره بوصله وقربته ، و « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه » « 2 » .
بشّر أحبّائي أنّ الموت راحتهم * والموت وصلتهم والموت تقريب
قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وبّخ اللّه المفلسين الذين سقطوا من عينه وحفظه وكلاءته حتى إذا أتت إليهم راحة أقبلوا إلى اللّه من فرح النفوس ولذة الشهوات ، لا بنعت المعرفة والمحبة ، وإذا أتتهم محنة أضافوها إلى غيره ، ورجعوا إلى الأسباب ، وخاصموا ، وظهر
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي عاصم في الزهد ( 1 / 156 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2386 ) ، ومسلم ( 4 / 2065 ) .