تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
كما قال : قلت لها قفي ، قالت لي : قاف لكي لا يقف العاذلون على الأسرار ، ونطقوا بهذه الإشارة حذرا من استشراف المترقين ، هكذا سنة الإلهية خاطب خواص محبيه بالرموز والإشارات مثل الحروف المقطعة هي رموز من الحق لسادة أنبيائه وأوليائه تشريفا لهم وتعظيما على سائر الخلق ، ومن قرب من اللّه تعالى فالإشارة معه أدق والرمز معه أرق . ألا ترى أنه تعالى أسمع كليمه كلامه أحسن العبارات ، وأسمع حبيبه خطابه بأجمل الإشارات ، قال عليه السلام : « أوتيت جوامع الكلم ، واختصر الكلام اختصارا » « 1 » . وقيل : العبارات للعموم والإشارات للخصوص . وقيل : الإشارة في قوله : « ألف » أراد قيامه بكفايتك على عموم أحوالك ، والإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفي السر ، والإشارة من الميم موافقة جريان التقدير لمتعلقات الطلب من الأولياء ، ولا يتحرك في العالم شيء ، ولا يظهر ذرة إلا وهو محل الرضا منهم . وإذا قرعت هذه الألفاظ أسماع المحبين تفهم حقائقها أسرارهم ، وتقرأ معانيها من ألواح الإلهام أرواحهم القدسية ، وكل حرف منها إشارة إلى اسم ، والاسم إشارة إلى فعل والفعل إشارة إلى الصفة والصفة إشارة إلى الذات ، فإذا لقيت هذه الرموز في قلوب العارفين رقوا مدارج الأسماء والأفعال والصفات حتى يبلغوا سرادق الكبرياء ، فيكشف لهم معلومات السرمدية من الحق للحق فيفطنون علوم المجهولة التي ليست في ديوان الملكوت . وقيل : الألف من الأحدية ، واللام من اللطف ، والميم من الملك . وقال ابن عطاء : إن اللّه جعل الأحرف سببا متصلا بالحلق ، وجعل المشكل لها سببا متصلا منه لها وهو سر اللّه ، يعني المشكل لا يعلمه إلا هو . وقوله تعالى :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
الحي الذي لا تقاس حياته ببعد الأوهام ، ولا تدرك سرمدية ذاته بغوص فطن الأنام ، وأيضا
الْحَيُّ
الذي حياته قام به العالم واستنارت بنورها روح آدم عليه السلام ، و
الْقَيُّومُ
الذي يبقى ببقائه أهل الفناء ويفنى بقهر قيوميته أهل البقاء ، وأيضا
الْقَيُّومُ
هو المقدس عن العلائق وقيامه لخلقه بنعت حفظهم ورحمته عليهم روح الخلائق . وقال الأستاذ :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
الذي لا يلهو فيشغل عنك ، ولا يسهو فيبقى عنه فهو على عموم أحوالك رقيب سرك إن خلوت فهو رقيبك ، وإن توسطت الخلق فهو قريبك .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 250 ) ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 9 / 318 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 2 / 160 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 124 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )