تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ويقال : آمن الخلق بالوسائط ، وآمن محمد صلى اللّه عليه وسلّم بغير واسطة . ويقال : هذا خطاب الحق سبحانه وتعالى معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر ، فقال :
آمَنَ الرَّسُولُ
ولم يقل آمنت كما يقول العظيم الشأن من الناس . قال الشيخ : وأنت تريد قلته . وقال ابن عطاء : إن النبي صلى اللّه عليه وسلّم معدن سر الحق أظهره للعام أوقفه على شريطة قوله :
آمَنَ الرَّسُولُ
، وإذ أخفاه أخبر عنه بقوله :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] ، وهو مستغرق أوقاته في انتظار ما يظهر عليه الحق من الزيادات على روحه وسره وفؤاده وقلبه وشخصه ؛ ألا تراه كيف نعته عن صفاته ، وقوله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
عن صفاتك لحياتك بنا وبإظهار صفاتنا عليك ،
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] عاجزون عن بلوغ درك صفاتك ، وإيمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إيمان مكاشفة ومشاهدة ، وإيمان المؤمنين إيمان بالوسائط والعلائق . وقيل في قوله :
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
: حكما وتسمية ، ولا المؤمن موجود ولا الإيمان ظاهر . وقال فارس :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
قال : إيمان حقيقة ومشاهدة
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
إيمان حكم ومتابعة
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي : لو أظهر من جمال عز الأزل صفة من صفاتي لا يطيق الخلق أن يستقيموا عند كشف ذرة منها ، لكن أواسيهم بلوائح التجلي بنعت الالتباس ؛ لكي لا يفنوا مثل تجلي موسى وعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وأيضا : تسربلت الأرواح بأنوار الكبرياء ، فاستقلوا بأنفسهم عند نهوضهم بأثقال المعرفة ، وما أدركت من عجائب الربوبية ، وهذا معنى قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] ، وأيضا : لا يكلف اللّه حق عبوديته نفوس أوليائه إلا قدر ما يطيقون من جهة التقصير والضعف عند تحمل حقيقة العبودية ؛ لأن من حق الربوبية أن تذوب الأرواح والأشباح في أول تكبيره كبروا تعظيما وإجلالا ، وأن اللّه تعالى ما أظهر للخلق من معرفته إلا مقدار ما يعيشون به من جهلهم بربوبية ربهم ، ولو أيقنوا أنهم في معزل من حقيقة العبودية وإدراك صرف الربوبية ماتوا حسرة على ما فاتوا ،
لَها ما كَسَبَتْ
أي : ما كسبت أرواحهم من مقاساة الهجران في دار الامتحان ،
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
ما اكتسبت النفوس من جرائم الخطرات عند مكاشفة الغيب للأسرار فيجازي اللّه النفوس في الدنيا بالذوب في المجاهدات ، ويجازي الأرواح في الآخرة بصرف المشاهدات ،
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا
أي : لا