تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 4

مساهمون:

ص٤

[ استغفار الملائكة للمؤمنين : ]

« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
هؤلاء الملائكة من ملائكة التسخير ، أثنى اللّه عليهم بأنهم يسبحون بحمد ربهم استفتاحا إيثارا لجناب اللّه ، ثم بعد ذلك يستغفرون ، وهو الذي يليق بهم تقديم جناب اللّه ، فسخرهم اللّه لنصرة المؤمنين إذا أذنبوا وتوجهت عليهم أسماء الانتقام الإلهية ، وتوجهت في مقامات تلك الأسماء أسماء الغفران والعفو والتجاوز عن السيئات ، فتقول الملائكة - كما أخبرنا اللّه بقوله :
( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ )
أيضا تصلي عليكم بما شرع لها من ذلك - مستغفرة في حق المؤمن العاصي غير التائب
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً »
اتكالا على علم اللّه فيما قصدوه من ذلك الكلام ، أدبا مع اللّه سبحانه ، حيث أنه استحق جناب اللّه أن يغار من أجله ، ويدعى على من عصاه ولم يقم بأمره وما ينبغي لجلاله ، فإن الملائكة أهل أدب مع اللّه فقالوا :
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً »
بقولك
( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )
وهؤلاء العصاة من الداخلين في عموم لفظة [ كل ] فقام هذا الصنف من الملائكة في مقام الأدب ، الذي حكم عليهم بهذا القول إيثارا للجناب الإلهي على الخلق ، ولهذا قدموا وأخروا فيما أخبر اللّه عنهم في قوله
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً »
وأخروا أيضا قولهم
« وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ »
وفيه روائح طلب المغفرة للمسيئين ، لأن اللّه ما علق المغفرة إلا بالذنب ، حيث علّقها ، وقدمت الملائكة الرحمة على العلم لأنه تعالى أحب أن يعرف وقال
( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )
وأما قولهم [ علما ] فمن قوله تعالى
( أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً )
وهذا تعريض تنبيه على أن الحق بهذه المثابة ، كما أخبر عن نفسه ، وقدمت ذكر الرحمة على العلم في دعائها لموضع حاجة العباد إليها ، وأدبا مع اللّه ، فإن اللّه قدمها في العطاء على العلم ، فقال لما ذكر عبده خضر :
( آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا )
قدمت