إذا جاء بالإجمال نون فإنه * يفصله العلّام بالقلم الأعلى
فيلقيه في اللوح الحفيظ مفصلا * حروفا وأشكالا وآياته تتلى
وما فصل الإجمال منه بعلمه * وما كان إلا كاتبا حين ما يتلى
عليه الذي ألقاه فيه مسطر * لتبلى به أكوانه وهو لا يبلى
هو العقل حقا حين يعقل ذاته * له الكشف والتحقيق بالمشهد الأجلى
فالقلم واللوح أول عالم التدوين والتسطير ، وحقيقتهما ساريتان في جميع الموجودات علوا وسفلا ، ومعنى وحسا ، وبهما حفظ اللّه العلم على العالم ، ولهذا ورد في الخبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم [ قيدوا العلم بالكتابة ] ومن هنا كتب اللّه التوراة بيده ، ومن هذه الحضرة اتخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتّاب الوحي .
[ سورة القلم ( 68 ) : آية 3 ]
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 )
فإنه الإنسان الكامل ، فإنه أكمل من عين مجموع العالم ، إذ كان نسخة من العالم حرفا بحرف ويزيد ، فإذا قال : اللّه ؛ نطق بنطقه جميع العالم من كل ما سوى اللّه ، ونطقت بنطقه أسماء اللّه كلها ، المخزونة في علم غيبه ، والمستأثرة التي يخص اللّه تعالى بمعرفتها بعض عباده ، والمعلومة بأعيانها في جميع عباده ، فقامت تسبيحته مقام تسبيح ما ذكرته ، فأجره غير ممنون .
[ سورة القلم ( 68 ) : آية 4 ]
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 )
أثنى اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
[ « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
الآية ]
ولما سئلت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت : كان خلقه القرآن ؛ تريد هذه الآية ، يحمد ما حمد اللّه ويذم ما ذم اللّه بلسان حق ، وإنما قالت ذلك لأنه أفرد الخلق ، ولا بد أن يكون ذلك الخلق المفرد جامعا لمكارم الأخلاق كلها ، ووصف اللّه ذلك الخلق بالعظمة كما وصف القرآن في قوله
( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ )
فكان القرآن خلقه ، فمن أراد أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ممّن لم يدركه من أمته فلينظر إلى القرآن ، فإذا نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه وبين النظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكأن القرآن انتشأ صورة حسية يقال لها محمد بن عبد اللّه بن