تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢

[ الجار قبل الدار : ]

شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لآسية امرأة فرعون بالكمال ، فقالت العارفة المشهود لها بالكمال
« رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ »
دار المآل ، فقدّمت الحق على البيت ، وقدمت الجار على الدار ، لما علمت أن بالدار يصح الجوار ، وهو الذي جرى به المثل في قولهم : الجار قبل الدار ؛ ولم تطلب مجاورة موسى ولا أحد من المخلوقين ، بل قدمت الحق ، وطلبت جواره والعصمة من أيدي عداته ، فقالت
« وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
حتى لا تنتهك الحرمة .

[ سورة التحريم ( 66 ) : آية 12 ]

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) روح عيسى منفوخ بالجمع والكثرة ، ففيه قوى جميع الأسماء والأرواح ، فإنه قال :
« فَنَفَخْنا فِيهِ »
بنون الجمع
« مِنْ رُوحِنا »
فإن جبريل عليه السلام وهب لها بشرا سويا ، فتجلى في صورة إنسان كامل ، فنفخ وهو نفخ الحق ، كما قال على لسان عبده [ سمع اللّه لمن حمده ]
« وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها »
وما هو إلا عيسى عليه السلام ، وقد قال عنه تعالى :
( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ )
فجعله كلمات لها لأنه كثير من حيث نشأته الظاهرة والباطنة ، فكل جزء منه ظاهرا كان أو باطنا فهو كلمة ، فلهذا قال فيه :
« وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها »
لان عيسى روح اللّه من حيث جملته ، ومن حيث أحدية كثرته هو قوله :
( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ )
ولذلك كان شرف مريم وكمالها الذي شهد لها به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنسبة عيسى عليه السلام إليها فقيل : عيسى ابن مريم .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 352 | ابن عربي / محمود محمود الغراب