تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 10 ]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) النسب الصحيح بالدين لا بالطين
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ »

[ بحث في الأخوة في طريق اللّه تعالى : ]

وهذه أخوة الصفة ، وهي أحق مراتب الأخوة ، فإن بها يقع التوارث ، فبأخوة الإيمان ترث ، فلا تأسف على أخوة النسب ولا تكترث ، المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه ، وما ترك فهو يتسلّمه . واعلم أن اللّه قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء جسد الإنسان ، وبهذا وقع المثل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الثابت ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ] كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها ، فيتألم لتألمه ، ومتى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين ، فما ثبتت أخوة الإيمان بينه وبينهم ، والمؤمن أخو المؤمن لا يسلمه ولا يخذله ، فالمؤمن لا يبغض المؤمن ، والمؤمن لا يقتل المؤمن لإيمانه ، قال تعالى :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ »
فجعل أباهم الإيمان ، فهم إخوة لأب واحد ، وبنص هذه الآية بيننا وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخوة الإيمان ، وإن كان هو السيد الذي لا يقاوم ولا يكاثر ، ولكن قد انتظم معنا في سلك الإيمان بقوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ »
« فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ »
يعني إذا تنافروا
« وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ »
-

بحث في الأخوة في طريق اللّه -

يحتاج المريد إلى الإخوان لتبيين آفات نفسه ليرفأه الشيخ بعد الجراحة ، أي بعد أن يجرحه الشيخ بالتقريع واللوم ، فلو طعنت نفس المجروح فيهم دون أستاذه ، فلا بأس به ، وإن كان ضعفا فسيعود عنده دواء وكشفا إن شاء اللّه تعالى ، فلسان حال الأخ في عقد الأخوة ، كل واحد منا بصير في عيوب أخيه لعماه عن عيوب نفسه واستيلاء رمسه ، فشد بهذه القاعدة وسطا ولا تتخذ ذلك شططا ، حتى يؤيدك اللّه بنصره ، ويكشف لكل واحد منّا عيوبه ببصره ، وإذ ذاك أخوك من صدقك لا من صدّقك ، ومن جرحك لا من مدحك ، وإليه ينظر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من أرضى الناس بسخط اللّه صار مادحه منهم ذاما ، ومن أرضى اللّه بسخط الناس أرضى اللّه عنه الناس ويهبه العين الصحيحة ] يرى الطالب معاديه بالعرف العام وليا والمسئ إليه محسنا ، إذ هو إنما يعادي عدوه فهو وليه من حيث لا يدري ، وإليه ينظر قول الشاعر :
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم * والمنكرون لكل أمر منكر