تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

[ مسئلة تفضيل الفقر على الغنى وبالعكس ]

كذلك ، لا يقال : الغنى أفضل من الفقر أو الفقر أفضل من الغنى ، فالفقر صفة الخلق ، والغنى صفة الحق ، والمفاضلة لا تصح إلا فيمن يجمعهما جنس واحد ، ولا جامع بين الحق والخلق ، فلا مفاضلة بين الغنى والفقر ، قال اللّه تعالى في الغنى
( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ )
وقال في الفقر
( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )
فمن قال بعد علمه بهذا الغنى أفضل من الفقر ، أم الفقر أفضل ، كان كمن قال : من أفضل اللّه أم الخلق ؟ وكفى بهذا جهلا من قائله ، وأما الذي بأيدي الناس الذي يسمونه غنى ، فكيف يكون غنى وأنت فقير إليه غير مستغن في غناك عن غناك ؟ فغناك عين فقرك ، وهذا على الحقيقة لا يسمى غنى ، فكيف تقع المفاضلة ما بين ما له وجود حقيقي وهو الفقر ، وبين ما ليس له وجود حقيقي وهو غناك ؟ وإذا سمي الإنسان غنيا فهو وصف عرضي ، والفقر له ذاتي ، فطلب المفاضلة جهل بين الوصف الحقيقي والإضافي العرضي - رقيقة - اعلم أن العقل من جملة الأشياء ، وقد أعطاه اللّه خلقه ، ولهذا ينزهه العقل ويرفع المناسبة من جميع الوجوه ، ويجيء الحق فيصدقه في ذلك ب
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
يقول لنا : صدق العقل فإنه أعطى ما في قوّته ، لا يعلم غير ذلك فإني أعطيت كل شيء خلقه ، وتمم الحق الآية بقوله
« ثُمَّ هَدى »
أي بيّن ، فبين سبحانه أمرا لم يعطه العقل ولا قوة من القوى ، فذكر لنفسه أحكاما هو عليها ، لا يقبلها العقل إلا إيمانا أو بتأويل يردها تحت إحاطته ، لا بد من ذلك ، وطريقة السلامة لمن لم يكن على بصيرة من اللّه ، أن لا يتأول ، ويسلّم ذلك إلى اللّه على علمه فيه ، هذه طريقة النجاة . ثم نعود إلى قول موسى عليه السلام
« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
هذا من القول اللين ، فإنه دخل تحته كل شيء ادعاه فرعون ، فأعطاه اللّه خلقه ، فكأن في كلامهما جواب فرعون لهما ، إذ كان ما جاء به فرعون خلق اللّه ، ثم زادهما في السؤال ليزيد في الدلالة .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 )
« وَلا يَنْسى »
مثل ما نسيت أنت حتى ذكرناك فتذكرت ، فلو كنت إلها ما نسيت ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 91 | ابن عربي / محمود محمود الغراب