تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
على قبول إيمانه ، لأنه لم ينص إلا على ترجي التذكر والخشية ، لا على الزمان ، إلا أنه في زمان الدعوة ، ووقع ذلك في زمان الدعوة في الحياة الدنيا ، ولكن لم يظهر من ذلك شيئا على ظاهره في المجلس ، وإن كان قد حكم التذكّر والخشية على باطنه ، فلم يبطش بموسى ولا بأخيه في المجلس ، فإنه صاحب السلطان والقهر في ذلك الوقت ، فما منعه إلا ما قام به من التذكّر والخشية من الحق ، وكان القول باللين من جنود اللّه ، قابل بها جنود باطن فرعون ، فهزمهم بإذن اللّه ، فتذكر وخشي لما انهزم جيشه الذي كان يتقوى به ، فذل في نفسه ، فشغلته تلك الذلة والمعرفة عن أن يحكم بقوة ظاهره فلم يبطش بهما في المجلس ، فإن موسى عليه السلام ما قال ( إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ) إلا لعدم التكافؤ في القوة الظاهرة ، فأمرهما اللّه تعالى أن يقولا له قولا لينا - والقول يقبل اللين والخشونة - ليقابل به غلظة فرعون ، فينكسر لعدم المقاوم ، إذ لم يجد قوة تصادم غلظته ، فعاد أثرها عليه فأهلكته بالغرق .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 45 ]

قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) أرسل اللّه تعالى موسى عليه السلام وأخاه هارون إلى فرعون وهو الذي فر منه موسى خوفا ، فكان خوفه عليه السلام من السبب الموضوع ، فأرسله الحق إليه تنبيها أن الخوف يكون من اللّه ، إذ لا قدرة مؤثرة للممكن في إيصال خير أو شر إلى ممكن آخر ، وأن ذلك كله بيد اللّه ، فلما أمرهما بالذهاب إلى فرعون
« قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى »
فأظهرا أن الخوف من فرعون باق معهما ، وقولهما
« أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا »
أي يتقدم علينا بالحجة بما يرجع إليه من التوحيد
« أَوْ أَنْ يَطْغى »
أي يرتفع كلامه لكونه يقصد عين الحقيقة فنتعب معه ، أو يرتفع بالحجة إذ له الملك والسلطان ، فقال اللّه لهما :

[ سورة طه ( 20 ) : آية 46 ]

قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 )

[ « قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما »

]
« قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما »
وهذه معية اختصاص لموسى وهارون عليهما السلام ، فهذه بشرى لهما حتى لا يخافا ، فآمنهما اللّه مما خافا منه
« أَسْمَعُ وَأَرى »
من وجوه - الوجه الأول - أسمع دعاء كما فأجيبكما ، وأرى من كونه تعالى بصيرا بأمور عباده ، وهو البصر