تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
يقول : بالخرق ، ولولا الخرق ما رفع مكانا عليا ، وكان عليه السلام نبيا يدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد ، فإن التوحيد ما أنكره أحد ، فإن مقالات الأنبياء في الحق لم تختلف ، لأنهم ما قالوا عن نظر وإنما قالوه عن الواحد ، ولهذا ما دعوا الناس إلا إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد ، ومن تكلم في الحق من نظره ما تكلم في محظور فإن الذي شرع لعباده توحيد المرتبة ، وما ثمّ إلا من قال بها ، وما أخذ المشركون إلا بالوضع من حيث كذبوا في أوضاعهم واتخذوها قربة ولم ينزلوها منزلة صاحب تلك الرتبة الأحدية ، ثم رفعه اللّه المكان العلي فنزل بفلك الشمس ، وهو الفلك الرابع وسط الأفلاك السماوية وهو القلب ، لأن فوقه خمس كور وتحته مثل ذلك ، فقال تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 57 ]

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 )

[ إدريس عليه السلام ما مات إلى الآن ]

« وَرَفَعْناهُ »
أي إدريس
« مَكاناً عَلِيًّا »
وهي السماء الرابعة ، وسميت بذلك لكونها قلبا ، أي قلب الأفلاك ، فهي قلب السماوات وقطبها ، فهو مكان عال بالمكانة ، وما فوقه وإن كان دونه فهو أعلى بالمسافة وبالنسبة إلى رؤوسنا ، فأراد الحق علو مكانة المكان ، فلهذا المكان من المكانة رتبة العلو ، فإدريس عليه السلام ما مات إلى الآن ، بل رفعه اللّه مكانا عليا ، فهو في السماء الرابعة حيث الشمس ، ونسبة إدريس عليه السلام مع الشمس كون الشمس في الوسط ومدار الأسفل والأعلى عليها ، وهي بمنزلة القطب فناسبها بذلك ، وهو أول من خط بالقلم ، فله الرفعة في الكتابة والتعبير فكان منزلته في العلو منزلة القلم الذي لا أعلى منه .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 58 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 ) هذه السجدة سجدة إنعام رحماني ، وهي سجدة النبيين المنعم عليهم ، فهذا بكاء فرح