تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وقوله :
( اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) *
وهو الدين ، فهو مأمور باتباع الدين ، فإن الدين إنما هو من اللّه لا من غيره ، وانظر قوله عليه السلام : [ لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ] فأضاف الاتباع إليه ، وأمر صلّى اللّه عليه وسلم باتباع الدين وهدى الأنبياء لا بهم ، فإن الإمام الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له ، فإذا غاب حكم النواب بمراسمه ، فهو الحاكم غيبا وشهادة ، ومن ذلك كونه صلّى اللّه عليه وسلم أوتي جوامع الكلم ، والعالم كلمات اللّه ، فقد آتاه اللّه الحكم في كلماته ، وعمّ وختم به الرسالة والنبوة ، كما بدأ به باطنا ختم به ظاهرا ، فله الأمر النبوي من قبل ومن بعد - نصيحة - اعلم أن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم ، وكل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه اللّه في مزاجه من التركيب ، فما من نبي إلا بعث خاصة إلى قوم معينين ، لأنه على مزاج خاص مقصور وإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ما بعثه إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة ، ولا قبل مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج يحوي على مزاج كل نبي ورسول ، فهو أعدل الأمزجة وأكملها وأقوم النشآت ، فإذا علمت هذا وأردت أن ترى الحق على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية ، فاعلم أنك ليس لك ولا أنت على مثل هذا المزاج الذي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك فإنما تظهره لك مرآتك على قدر مزاجها وصورة شكلها ، وقد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في العلم بربه في نشأته ، فالزم الإيمان والاتباع ، واجعله أمامك مثل المرآة التي تنظر فيها صورتك وصورة غيرك ، فإذا فعلت هذا علمت أن اللّه تعالى لا بد أن يتجلى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في مرآته ، والمرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي ، فيكون ظهور الحق في مرآة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أكمل ظهور وأعدله وأحسنه ، لما هي مرآته عليه ، فإذا أدركته في مرآة محمد صلّى اللّه عليه وسلم فقد أدركت منه كمالا لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك ، ألا ترى في باب الإيمان وما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول ؟ ولولا الشرع والإيمان به لما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئا البتة ، بل نرده ابتداء ونجهّل القائل به ، فكما أعطاه بالرسالة والإيمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها ذلك من جانب الحق ، كذلك قصرت أمزجتنا ومرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك ما تجلى في مرآة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن تدركه في مرآتها ، وكما آمنت به في الرسالة غيبا شهدته في هذا التجلي النبوي عينا ، فقد نصحتك وأبلغت لك في النصيحة ، فلا تطلب مشاهدة الحق