تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
اعلم أن الحق سبحانه لا يعين لفظا ولا يقيد أمرا إلا وقد أراد من عباده أن ينظروا فيه من حيث ما خصصه وأفرده لتلك الحالة ، أو عيّنه بتلك العبارة ، ومتى لم ينظر الناظر في هذه الأمور بهذه العين فقد غاب عن الصواب المطلوب ، فإن النفوس ما تنبعث وتهتز إلا للآيات الخارقة للعادة . والآيات الإلهية منها معتاد وغير معتاد ، والقرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير ، ومن آياته ، ومن آياته ويذكر أمورا معتادة ، ثم يقول إن في ذلك لآيات ، ولكن لا ترفع العامة بها رأسا لجري العادة لاستيلاء الغفلة وعدم الحضور . .

[ الآيات المعتادة والآيات غير المعتادة ]

إذا كانت الآيات تعتاد لم يكن * لها أثر في نفس كل جهول
وما لم تكن تعتاد فهي لديهمو * إذا نظروا فيها أدل دليل
وأما فحول القوم لا فرق عندهم * لقد خصصوا منها بأقوم قيل
إذا جاءت الآيات تترى تراهمو * سكارى لها خوفا بكل سبيل
فسبحان من أحياهمو واصطفاهمو * وإنهمو فينا أقل قليل

[ سورة الروم ( 30 ) : آية 21 ]

وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 )

[ « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً »

الآية ]
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً »
أعلم أن الزوجة مخلوقة من عين الزوج ونفسه
« لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً »
المودة المجعولة بين الزوجين هو الثبات على النكاح الموجب للتوالد ، والرحمة المجعولة هو ما يجده كل واحد من الزوجين من الحنان إلى صاحبه فيحن إليه ويسكن ، فمن حيث المرأة حنين الجزء إلى كله ، والفرع إلى أصله ، والغريب إلى وطنه ، وحنين الرجل إلى زوجته حنين الكل إلى جزئه - لأنه به يصح عليه اسم الكل ، وبزواله لا يثبت له هذا الاسم - وحنين الأصل إلى الفرع لأنه يمده ، فبالمودة والرحمة طلب الكل جزأه ، والجزء كله ، فالتحما فظهر عن ذلك الالتحام أعيان الأبناء ، وجعل اللّه ذلك آية ، أي علامة ودليلا لقوم يتفكرون ، فقال :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ