الحقيقية ، وهي التي وصفها الحق سبحانه بالسجود له مع سجود أعيانها ، فما زالت تلك الأعيان ساجدة له قبل وجودها ، فلما وجدت ظلالاتها ، وجدت ساجدة للّه تعالى ، لسجود أعيانها التي وجدت عنها ، من سماء وأرض وشمس وقمر ونجم وجبال وشجر ودواب وكل موجود ، ثم لهذه الظلالات - التي ظهرت عن تلك الأعيان الثابتة من حيث ما تكونت أجساما - ظلالات ، أوجدها الحق لها دلالات على معرفة نفسها من أين صدرت ، ثم أنها تمتد مع ميل النور أكثر من حد الجسم الذي تظهر عنه إلى ما لا يدركه طولا ، ومع هذا ينسب إليه ، وهو تنبيه أن العين التي في البرزخ التي وجدت عنها لا نهاية لها مما تتصف به من الأحوال والأعراض والصفات والأكوان ، فهو عالم لا يتناهى وما له طرف ينتهي إليه ، فإنه الحضرة الفاصلة بين الوجود المطلق والعدم المطلق ، وأنت بين هذين الظلالين ذو مقدار ، فأنت موجود عن حضرة لا مقدار لها ، ويظهر عنك ظل لا مقدار له ، فامتداده يطلب تلك الحضرة البرزخية ، وتلك الحضرة البرزخية هي ظل الوجود المطلق من الاسم النور ، الذي ينطلق على وجوده ، فلهذا نسميها ظلا ، ووجود الأعيان ظل ذلك الظل ، والظلالات المحسوسة ظلالات هذه الموجودات في الحس ، ولما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات ، وكانت الممكنات وإن وجدت في حكم العدم ، سميت ظلالات ليفصل بينها وبين من له الثبات المطلق في الوجود ، وهو واجب الوجود ، وبين من له الثبات المطلق في العدم وهو المحال ، لتتميز المراتب ، فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي فإنه ما تمّ حضرة تخرج إليه ، ففيها تكتسب حالة الوجود ، والوجود فيها متناه ما حصل منه ، والإيجاد فيها لا ينتهي ، فهذا مثل ضربه اللّه على دوام الخلق والتكوين ، وعلى العين الثابتة ثم ظهورها للوجود :
انظر إلى نقص ظل الشخص فيه إذا * ما الشمس تعلو فتفني ظله فيه
ذاك الدليل على تحريكه أبدا * بدأ وفيئا وهذا القدر يكفيه
لو كان يسكن وقتا ما بدا أثر * في الكون من كن وذاك الحكم من فيه
فالكون من نفس الرحمن ليس له * أصل سواه فحكم القول يبديه
- اعتبار - ظلك على صورتك ، وأنت على الصورة ، فأنت ظل قام الدليل على أن التحريك للحق لا لك ، كذلك التحريك لك لا للظل ، غير أنك تعترض