تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
نور مفتقر إلى مادة تمده وهي الدهن ، فما هو أعلى منه من الأنوار أقرب إلى التشبيه وأعلى في التنزيه ، وإنما أعلمنا الحق بذلك وجاء بكاف الصفة في قوله
« كَمِشْكاةٍ »
إلى آخر الآية ، إعلاما أنه نور كل نور ، بل هو كل نور ، وشرع لنا طلب هذه الصفة ، فكان صلّى اللّه عليه وسلم يقول : [ واجعلني نورا ] وكذلك كان صلّى اللّه عليه وسلم ، وما ضرب اللّه المثل في هذه الآية للاسم اللّه وإنما عيّن سبحانه اسما آخر ، وهو قوله
« نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف إلى السماوات والأرض ، أي هكذا فافعلوا ، ولا تضربوا الأمثال للّه فإني ما ضربتها ، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه ، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص ، كما فعل اللّه في هذه الآية ، فإنه تعالى هنا لم يطلق على نفسه اسم النور المطلق الذي لا يقبل الإضافة وقال :
« نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
ليعلمنا ما أراد بالنور هنا ، فأثّر حكم التعليم والإعلام في النور المطلق الإضافة ، فقيدته عن إطلاقه بالسماوات والأرض ، فلما أضافه نزل عن درجة النور المطلق في الصفة ، فقال :
« مَثَلُ نُورِهِ »
أي صفة نوره ، يعني المضاف إلى السماوات والأرض كمشكاة ، إلى أن ذكر المصباح ومادته ، وأين صفة نور السراج - وإن كان بهذه المثابة - من صفة النور الذي أشرقت به السماوات والأرض ؟ فعلّمنا سبحانه في هذه الآية الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل ، وإذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل ، مثل قوله :
« يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ »
فأضاف النور هنا إلى نفسه لا إلى غيره ، وجعل النور المضاف إلى السماوات والأرض هاديا إلى معرفة نوره المطلق ، كما جعل المصباح هاديا إلى نوره المقيد بالإضافة ، وتمم وقال :
« وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ »
ونهانا في موطن آخر فقال
( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
فإن اللّه اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية ، محيط بمعانيها كلها ، وضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا ، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه ، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص كما فعل اللّه في هذه الآية ، وهذا مثل ضربه اللّه تعالى إخبارا بما هو الأمر عليه فقال :
« مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ »
فالمشكاة والزجاجة والمصباح والزيت أربعة ، مثل على الوجود القائم على التربيع ، وهو للحق كالبيت القائم على