تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
طاعة اللّه ، أثنى اللّه عليهم بأنهم مشفقون ، للتغير الذي يقوم بنفوسهم عند رؤية الموجب لذلك ، والإشفاق مأخوذ من الشفق الذي هو حمرة بقية ضوء الشمس إذا غربت ، أو إذا أرادت الطلوع .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 )

[ الوجلون ]

إن القلوب مع الخيرات في وجل * وإنها عندما تلقاه في خجل
اعلم أن السبب الموجب لوجلهم قول اللّه عنهم
« الَّذِينَ يُؤْتُونَ »
وجعل هنا ما بمعنى الذي ، ثم جاء ب « أتوا » بعد « ما » وكلامه صدق ، فأدركهم الوجل إذ قطعوا أنهم لا بد أن يقوم بهم الدعوى فيما جاءوا به من طاعة اللّه ، فيكشف اللّه لهم إذا خافوا ووجلوا من ذلك ، وتبديل اللّه لفظة « ما » التي بمعنى الذي بلفظة « ما » النافية مثل قوله تعالى
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
هكذا يكون كشفه هنا للوجل ، ما يؤتون الذي أتوا به ، ولكن اللّه أتى به ، فأقامهم مقام نفسه فيما جاءوا به من الأعمال الصالحة ، فإن اللّه تعالى علل بقوله
« أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ »
فيما أتوا به ، مع كون اللّه وصفهم بأنهم الذين أتوا به ، فانظر ما أدق نظرهم في السبب الذي جعل في قلوبهم الوجل » .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 61 ]

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 )
« أُولئِكَ »
إشارة إلى هؤلاء الذين يسارعون في الخيرات ، والإسراع لمن أتى هرولة فافهم ، فهم
« يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ »
بالحق ،
« وَهُمْ لَها سابِقُونَ »
أي يسبقونها ويسبقون إليها ، فالخيرات ثلاثة : خيرات يكون السباق والمسارعة فيها ، وخيرات يكون السباق بها ، وخيرات يكون السباق إليها ، وهي قوله
( سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ )
( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ )
والسرعة في السباق لا بد منها ، لأن السباق يعطي ذلك ، وهو فوق السعي ، فإتيانهم بسرعة ، والزائد على السعي ما هو إلا الهرولة وهي نعت إلهي
« أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ »
وهي الطاعات التي أمر اللّه بها عباده ، ولأنهم السعداء سارعوا لما أبصروا حسن
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 192 | ابن عربي / محمود محمود الغراب