تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
التوراة ، فلا نصدقهم في ذلك ولا نكذبهم وقال تعالى ذلك في حقهم لكونهم ليسوا مثله ، فما عرفوه ، ومن جهل أمره لا يقدر قدره ، فهم ليسوا له بمثل ولا هو مثل لهم ، فوصفوه بنفوسهم وبما هم عليه ، ولا يتمكن لهم ذلك ، لأنهم يريدون الوصف الثبوتي ولا يكون إلا بالتشبيه ، ومن جعل مثلا لمن لا يقبل المثل فما قدره حق قدره ، أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها ، فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم به علم ، فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق ، لأن الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه ، فلا يتعلق به ذم في ذلك ولا مدح ، فعلم الخلق باللّه لا يدرك بقياس ، وإنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق ، إما بنفسه وإما بلسان المترجم عنه وهو الرسول ، مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب ، كما قال :
( إِنَّ فِي ذلِكَ )
إشارة لما تقدم
( لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ )
فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه
( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )
وما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه ، وما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم ، وقدر اللّه لا يقدر مفصلا ، لأن الزيادة من العلم باللّه لا تنقطع دنيا ولا آخرة ، فالأمر في ذلك غير متناه
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
فيما كيّف به نفسه مما ذكره في كتابه وعلى لسان رسوله من صفاته ، وقدر الأمر موازنته لمقداره ، وهذا لا يعلم من الأمر حتى يكون له ما يعادله في ذاته ، فيكون ذلك المعادل مقدارا له لأنه يزنه ، وقد جعل اللّه لنفسه قدرا لكنه مجهول عند أصحاب هذا الضمير ، ولا يعرف قدر الحق إلا من عرف الإنسان الكامل الذي خلقه اللّه على صورته ، وهي الخلافة ، ثم وصف الحق نفسه في الصورة الظاهرة باليدين والرجلين والأعين ، وشبه ذلك مما وردت به الأخبار مما يقتضيه الدليل العقلي من تنزيه حكم الظاهر من ذلك في المحدثات عن جناب اللّه ، فحق قدره إضافة ما أضافه إلى نفسه مما ينكر الدليل إضافته إليه تعالى ، إذ لو انفرد دون الشرع لم يضف شيئا من ذلك إليه ، فمن أضاف مثل هذا إليه ، عقلا فذلك هو الذي ما قدر اللّه حق قدره ، وما قال أخطأ المضيف ، ومن أضافه شرعا وشهودا ، وكان على بينة من ربه ، فذلك الذي قدر اللّه حق قدره . فالإنسان الكامل الذي هو الخليفة قدر الحق ظاهرا وباطنا ، صورة ومنزلة ومعنى لأنه على صورة الحق ، والعالم قدر الحق وجودا ، وأما في الثبوت فهو أظهر لحكم الأزل الذي هو للممكنات في ثبوتها لأن الإمكان للممكن نعت ذاتي نفسي ، وما ظفر بالأمر
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 98 | ابن عربي / محمود محمود الغراب