تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
أعطى اللّه عباده ، وهو قوله
« وَما أُوتِيتُمْ »
أي أعطيتم ، وقال في حق عبده خضر
( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً )
وقال
( عَلَّمَ الْقُرْآنَ )
فهذا كله يدلك على أنه نسبة ، لأن الواحد في ذاته لا يتصف بالقلة ، ولا بالكثرة لأنه لا يتعدد ، فإن كان العلم نسبة فإطلاق القلة والكثرة عليه إطلاق حقيقي ، فإن النسب لا تتناهى لأن المعلومات لا تتناهى ، فيمكن على هذا أن يكون لكل معلوم علم ، وإن كان غير ذلك فإطلاق القلة والكثرة عليه إطلاق مجازي ، وكلام العرب مبني على الحقيقة والمجاز عند الناس ، وإن كنا خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن ، فإنا ننفي أن يكون في القرآن مجاز بل في كلام العرب - رقيقة - كان الشيخ أبو مدين يقول إذا سمع من يتلو هذه الآية
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
القليل أعطيناه ما هو لنا بل هو معار عندنا وهبناه عناية منه والكثير منه لم نصل إليه ، فنحن الجاهلون على الدوام فليس لنا شيء ندعيه .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 88 ]

وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 )

[ إعجاز القرآن ]

ما منع المعارض إلا من العربي لا من الأعجمي ، فاختص الإعجاز بالقرآن ، وإن كانت الكتب المنزلة كلام الرحمن ، لكن البيان والشرف والامتنان ، والمجد العظيم الشان ، إنما ظهر في اللسان عند البيان ، فهذا القرآن هو معجزة الرسول ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ثبت أنه معجزته بطلب معارضته والعجز عن ذلك ، ثم قطع أن المعارضة لا تكون أبدا بهذه الآية الإخبارية
« لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
فليس في مقدور البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن
« وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
أي معينا من الجن والإنس ، وذلك لأنه القول المعجز وهو قول الحق والصدق ، ولأنه أتى من خزائن الحجة - محمد خير مبعوث من الرسل -
أتى بإعجاز قول لا خفاء به * أعجازه انعطفت منه على الأول
حوى على كل لفظ معجز ولذا * حوى على كل علم جاء من مثل
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 576 | ابن عربي / محمود محمود الغراب