تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
العلو ، فنبه بقوله
( فَتَدَلَّى )
على أن قربه قاب قوسين كان ثمرة التدلي المشعر بالتنزيل ، وأنه تعالى لا يختص قربه بجهة العلو ، بل التدلي إليه بالخضوع أقرب تحقيقا لقوله
( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )
وفي الصحيح [ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ] وإذا أردت زيادة التبصر بأن الإسراء وعروج الملائكة ورفع عيسى وإدريس صلى اللّه عليهم وسلم إلى السماء لا يدل على أن اللّه تعالى مخصوص بجهة السماء ، فاعتبر فرض الحج على العباد إلى البيت الحرام ، وأمر اللّه تعالى الناس بالتوجه إليه من جميع الجهات ، وجعل سكانه جيران اللّه ، وحجاجه وفده وضيفانه ، والحجر الأسود يمينه ، مع أن نسبة البيت وغيره إلى اللّه تعالى سبحانه كاعتبار المسافة بسفر أحد ، فعلم أن القصد بالسير إلى البيت لا أن السير يقتضي القرب والوصول إليه بالمكان ، وإنما للّه سبحانه تعبدات وأسرار في ضمن مشروعات يقتضيها من عباده بحكم ظاهر وحقيقة ، ألا تراه كيف ناجى موسى صلّى اللّه عليه وسلم بالواد المقدس وأسمعه كلامه من الشجرة ، ووصفه بالقرب إلى مجلس حضرته ونجواه ، مع الاتفاق على أنه تعالى لا يختص بجهة الواد المقدس ، ولا يحل كلامه - وهو صفته - بالشجرة ، وأن موسى صلّى اللّه عليه وسلم قرب إليه مع كونه بالأرض ، وسمع نداء ربه من جانب الطور ، ولم يكن ربه بجانب الطور ، وإنما لتجلياته مظاهر وحجب روحانية وجسمانية ، لا يشهدها إلا من فتق اللّه رتق قلبه ، وفلق أصباح ليله ، ونوّر مصباح مشكاته بزيت شجرة توحيده
( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ )
واعلم أن اللّه تعالى نبه بقوله
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ »
إلى قوله
« وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً »
أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما تحقق ( سبحان الله ) أولا ( وبحمد الله ) آخرا تجلى له وجه ربه بكماله الجامع للجلال والإكرام ، في شرف لا إله إلا اللّه الجامع لسبحان اللّه والحمد للّه ، آية ربه الكبرى ، ولهذا قال آخر السورة
( وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً )

[ - مشهد روحاني ]

- مشهد روحاني - كان الإسراء مقاما خصّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو مقام رؤية المعبود جل وعلا ، وهو مقام قاب قوسين أو أدنى ، وذلك أنه لما كان صلّى اللّه عليه وسلم ثمرة شجرة الكون « 1 » ، ودرة صدفة الوجود وسره ، ومعنى كلمة كن ، ولم تكن الشجرة مرادة لذاتها ، وإنما كانت مرادة لثمرتها ، فهي محمية محروسة لاجتناء ثمرتها واستجلاء زهرتها ، ولما كان المراد عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها ، وزفها إلى حضرة قربه ، والطواف بها على ندمان حضرته ،
هامش
( 1 ) ثمرة شجرة الكون يعني بالكون كل ما خلق من الكلمة الإلهية وهي« كُنْ ».