في خياله ، فإذا نام وانصرفت الحواس إلى خزانة الخيال أبصرت ذلك ، والرؤيا الثالثة من الشيطان ، عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، والرؤيا ثلاث : فالرؤيا الصالحة بشرى من اللّه تعالى ، ورؤيا من تحزين الشيطان ، ورؤيا مما يحدث الرجل به نفسه ، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس ] - الحديث - وفي حديث أبي قتادة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم [ إذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ، وليستعذ باللّه من شرها فإنها لا تضرّه ] وهو حديث حسن صحيح ، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم [ إن رؤيا المسلم على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت ] واعلم أن للّه ملكا موكلا بالرؤيا يسمى الروح ، وهو دون السماء الدنيا ، وبيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه وغيره ، وصور ما يحدث من تلك الصور من الأكوان ، فإذا نام الإنسان ، أو كان صاحب غيبة أو فناء أو قوة إدراك لا يحجبه المحسوسات في يقظته عن إدراك ما بيد هذا الملك من الصور ، فيدرك هذا الشخص بقوته في يقظته ما يدركه النائم في نومه ، وذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها ، الذي محله مقدم الدماغ ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه هذا النائم أو الغائب أو الفاني أو القوي ، من المعاني متجسدة في الصور التي بيد هذا الملك ، فمنها ما يتعلق باللّه وما يوصف به من الأسماء ، فيدرك الحق في صورة ، أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه ، فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب أو إحداهن ، المرتبة الواحدة أن تكون الصورة المدركة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلة ما من منازله وصفاته التي ترجع إليه ، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما يرجع إليه ، والمرتبة الثانية أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه ، والمرتبة الثالثة أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع والناموس الموضوع ، أي ناموس كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها ، في ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه ، وما ثم مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه ، فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي فهي حسنة كاملة ولا بد ، لا تتصف بشيء من القبح والنقص ، والمرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيها بحسب الأحوال من الحسن والقبح
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 374
مساهمون: ابن عربي
ص٣٧٤