تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 4 إلى 5 ]

إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وذلك لما علم يعقوب عليه السلام من علم أبنائه بتأويل ما مثّل الحق ليوسف عليه السلام في رؤياه ، إذ ما كان ما رآه ومثل له إلا عين إخوته وأبويه ، فأنشأ الخيال صورة الإخوة كواكب ، وصورة الأبوين شمسا وقمرا ، وكلهم لحم ودم وعروق وأعصاب ، فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك ، ومن ظلمة هذا الهيكل إلى نور الكوكب ، فقد لطف الكثيف ، ثم عمد إلى مرتبة التقدم وعلو المنزلة والمعاني المجردة فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها ، والرؤيا واحدة ، ولولا قوة الخيال وجمعيته ما جرى ما جرى ثم برأ يعقوب عليه السلام أبناءه عن ذلك الكيد وألحقه بالشيطان ، وليس إلا عين الكيد ، فقال :
« إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
أي ظاهر العداوة

[ - الرؤيا - ]

- الرؤيا - اعلم أيدك اللّه أن للإنسان حالتين حالة تسمى النوم وحالة تسمى اليقظة ، وفي كلتا الحالتين جعل اللّه له إدراكا يدرك به الأشياء ، تسمى تلك الإدراكات في اليقظة حسا ، وتسمى في النوم حسا مشتركا ، فكل شيء تبصره في اليقظة يسمى رؤية ، وكل ما تبصره في النوم يسمى رؤيا مقصورا ، وجميع ما يدركه الإنسان في النوم هو مما ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس ، وهو على نوعين ، إما ما أدرك صورته في الحس ، وإما ما أدرك أجزاء صورته التي أدركها في النوم بالحس لا بد من ذلك ، فإن نقصه شيء من إدراك الحواس في أصل خلقه ، فلم يدرك في اليقظة ذلك الأمر فقد المعنى الحسي الذي يدركه به في أصل خلقته ، فلا يدركه في النوم أبدا ، فالأصل الحسّ ، والإدراك به في اليقظة والخيال تبع في ذلك ، وقد يتقوى الأمر على بعض الناس فيدركون في اليقظة ما كانوا يدركونه في النوم ، وذلك نادر وهو للنبي والولي ، واعلم أن مبدأ الوحي الرؤيا الصادقة ، وهي لا تكون إلا في حال النوم ، قالت عائشة في الحديث الصحيح [ أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ] وسبب ذلك صدقه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه