تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
العالم كله طاهر ، فإن عرض له عارض إلهي يقال له نجاسة حكمنا بنجاسة ذلك المحل على الحد المقدر شرعا خاصة في عين تلك النسبة الخاصة ، فالنجاسة في الأشياء عوارض نسب وأعظم النجاسات الشرك باللّه ، فالمشرك نجس العين ، فإذا آمن فهو طاهر العين ، أي عين الشرك وعين الإيمان ، وهذا يدل على أن النجاسة عوارض ونسب ، وهذه الآية نص في المسجد الحرام الذي بمكة بأن لا يقربه مشرك ، وأنه نجس ، فمن علل المنع بالنجاسة وجعل النجاسة لكفره ، وعلل المسجد لكونه مسجدا . منع الكفار كيفما كانوا من جميع المساجد ، ومن رأى أن ذلك خاص بالمسجد الحرام ولهذا خص بالذكر وأن ما عدا المشرك وإن كان كافرا ، لا يتنزل منزلته منع دخول المشرك المسجد الحرام وكل مسجد ، لقوله تعالى :
« فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ »
وجوز الدخول فيه لمن ليس بمشرك ، ومن أخذ بالظاهر ولم يعلل منع المشرك خاصة من المسجد الحرام خاصة ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حبس في المسجد في المدينة ثمامة بن أثال حين أسر وهو مشرك وهو الأوجه ، ولم يمنع غير المشرك من المسجد الحرام ومن المساجد ، ومنع المشرك من سائر المساجد أولى إلا أن يقترن بذلك أمر أو حالة فلا بأس .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 29 ]

قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) لم تضرب الجزية على المشرك ، وفرق بينه وبين الكفار من أهل الكتب المنزلة ، فإن المشرك قادح في الحق وفي الكون بشركه ، فلم يكن له مستند يعصمه من القتل ، لأنه قدح في التوحيد وفي الرسل ، والكفار من أهل الكتاب لم يقدحوا في التوحيد ولا في الكون ، أعني الرسل ، لكن قدحوا في رسول معين لهوى ، أو شبهة قائمة بنفوسهم ، أداهم ما قام بهم إلى جحود الحق ظلما وعلوا مع اليقين به ، وإما لشبهة قامت بهم لم يثبت صدق صاحب الدعوى عندهم ، فلهذا كان لهم في الجملة مستند صحيح عندهم لا في نفس الأمر ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 253 | ابن عربي / محمود محمود الغراب