تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وبعمل أهل الجنة يعملون ، وهؤلاء إلى النار ، وبعمل أهل النار يعملون ، وأنشأ الحق هذه النشأة الإنسانية في أحسن تقويم ، ثم نفخ فيها من روحه المضاف إليه ، فحدث عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه الحياة وما يتبعها من كونه حيوانا ، وبذلك جمع اللّه في الإنسان الكامل بين الصورتين الطبيعيتين في نشأته ، فخلقه بجسم مظلم كثيف ، وبجسم لطيف محمول في هذا الجسم الكثيف سماه روحا له ، به كان حيوانا وهو البخار الخارج من تجويف القلب المنتشر في أجزاء البدن المعطي فيه النمو والإحساس ، ثم خصه بما يتميز به عن الحيوان بالقوة المصورة والعاقلة ، ثم أنشأه خلقا آخر وهو الإنسانية فجعله درّاكا بهذه القوى ، حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا على حد معلوم معتاد في اكتسابه ، وخصه دون العالم كله بالقوة المفكرة التي بها يدبر الأمور ويفصلها ، وليس لغيره من العالم ذلك فإنه على الصورة الإلهية ، ومن صورتها يدبر الأمر يفصل الآيات فتبارك اللّه أحسن الخالقين - البحث الثاني :

[ ما هو الإنسان ؟ ]

ما هو الإنسان ؟ - اعلم أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان ما هو ؟ فقالت طائفة : هو اللطيفة وطائفة قالت : هو الجسم ، وطائفة قالت : هو المجموع وهو الأولى . وقد وردت لفظة الإنسان على ما ذهبت إليه كل طائفة ، ثم اختلفنا في شرفه هل هو ذاتي ؟ أو هو بمرتبته نالها بعد ظهوره في عينه وتسويته كاملا في إنسانيته إما بالعلم وإما بالخلافة والإمامة ؟ فمن قال : إنه شريف لذاته ، نظر إلى خلق اللّه إياه بيديه ، ولم يجمع ذلك لغيره من المخلوقين ، وقال : إنه خلقه على صورته ، فهذه حجة من قال شرفه شرف ذاتي ، ومن خالف هذا القول قال : لو أنه شريف لذاته لكنا إذا رأينا ذاته علمنا شرفه ،
هامش
لما اقتضى عند اللّه خلقنا صلاحا في نفس الأمر ، قرن التعريف لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم بالاسم الرب الذي هو المصلح ، وأضافه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم اعتناء به أنه المقصود من هذه النشأة ، إذ كان سيد الناس يوم القيامة ، وأخفى في الدنيا ما يجب من تعظيمه لعلو منزلته ، كما أخفى ما يستحقه جل جلاله من تعظيم عباده إياه ، وأطلق الألسنة عليه بأن له صاحبة وولدا ، وما وقع به التعريف مما لا يليق به ، كذلك قيل فيه صلّى اللّه عليه وسلم إنه ساحر مجنون كذاب ، وغير ذلك ، فإذا كان يوم القيامة وظهر الحق سبحانه في عزته وكبريائه ، فذلّ كل موجود تحت عزته على الكشف ، وذهبت الدعاوى وتبرأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا ، ظهر أيضا في ذلك اليوم مقام محمد صلّى اللّه عليه وسلم وسيادته على الناس ، وافتقار
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 94 | ابن عربي / محمود محمود الغراب