تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
على الناس وزيغهم عن المراد ، وتعين على العلماء حينئذ أن لا يهملوا البيان ، قال اللّه تعالى :
( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ )
ولا بد في إيضاح البيان الزيادة فنقول : قد قررنا أن الاستواء مشتق من السواء وأصله العدل ، وحينئذ الاستواء المنسوب إلى ربنا تعالى في كتابه بمعنى اعتدل أي قام بالعدل ، وأصله من قوله تعالى :
( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ )
إلى قوله
( قائِماً بِالْقِسْطِ )
فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه ، ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعدله كل شيء خلقه ، موزونا بحكمته البالغة في التعرف لخلقه بوحدانيته ، ولذلك قرنه بقوله :
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
والاستواء المذكور في كتابه استواءان : استواء سماوي واستواء عرشي ، فالأول تعدى بإلى قال تعالى :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ »
وقال
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ »
ومعناه - واللّه أعلم - اعتدل أي : قام بقسطه وتسويته إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ونبّه على أن استواءه هذا هو قيامه بميزان الحكمة ، وتسويته بقوله أولا عن الأرض
( وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ )
وبقوله آخرا
( ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) *
وأما الاستواء العرشي : فهو أنه تعالى قام بالقسط ، متعرفا بوحدانيته في عالمين : عالم الخلق ، وعالم الأمر وهو عالم التدبير ،
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ )
فكان استواؤه على العرش للتدبير بعد انتهاء عالم الخلق لقوله تعالى : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) وبهذا يفهم سر تعدية الاستواء العرشي بعلى ، لأن التدبير للأمر لا بد فيه من استعلاء واستيلاء
« وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
وعلمه تعالى ذاته ، فإنه يستحيل عليه أن يقوم بذاته أمر زائد ، أو عين زائدة ما هي ذاته ، تعطيها حكما لا يصح لها ذلك الحكم دونها مما يكون كمالا لها في ألوهيتها ، بل لا تصح الألوهة إلا بها وهو كونه عالما بكل شيء ، ذكر ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته ، ودل عليه دليل العقل . -

[ القصد من خلق الثقلين ]

رقيقة - لما خلق اللّه الثقلين في المقام الذي قصده بخلقهم وهو أجلية الحق ، من قوله تعالى :
( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
فرغهم لذلك
هامش
من هذه العناية ، التي لأجلها خلق هذا الخلق العظيم الكبير ، ومصداق كونه من أجلنا أنه إذا انتقلنا إلى الدار الآخرة مارت السماء وانشقت ، وزالت الأرض وسارت الجبال بزوالنا من الدنيا ،