تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
أن يحصل من العلم الإلهي ، والفطر المطموسة هي القابلة التي لا نور لعينها من ذاتها إلا من نور الإيمان ، فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها ، ومنزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان من الملائكة منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء ، فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح ، والروح مؤمن بما يلقي إليه من يلقي إليه ، فالمؤمن هو الذي لا نور لعين بصيرته إلا نور الإيمان ، وليس الإيمان المعتبر عندنا إلا أن يقال الشيء لقول المخبر على ما أخبر به ، أو يفعل ما يفعل لقول المخبر لا لعين الدليل العقلي .
« وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ »
وقعت الصلاة في الرتبة الثانية من قواعد الإيمان التي بني الإسلام عليها ، في الخبر الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، والحج ) فعلم الصحابة أنه صلّى اللّه عليه وسلم راعى الترتيب لما يدخل الواو من الاحتمال ، ولهذا لما قال بعض رواة هذا الحديث من الصحابة لما سرده فقال : والحج وصوم رمضان ، أنكر عليه وقال له ( وصوم رمضان والحج ) فقدّمه ، وعلمنا أنه أراد الترتيب ، ونبه على أن لا ننقل عنه صلّى اللّه عليه وسلم إلا عين ما تلفظ به ، فإنه من العلماء من يرى نقل الحديث المتلفظ به من النبي صلّى اللّه عليه وسلم على المعنى ، فالصلاة ثانية في القواعد ، مشتقة من المصلي في الخيل ، وهو الذي يلي السابق في الحلبة ، والسابق من القواعد الشهادة ، والمصلي هي الصلاة ، وجعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة التطهير فناسبت الصلاة ، فإن الصلاة لا يقبلها اللّه بغير طهور ، والزكاة تطهير الأموال ، ومن شروط الصلاة طهارة الثياب والأبدان والبقعة التي توقع الصلاة عليها وفيها كانت ما كانت ، وجعل الصوم يلي الزكاة ، لما شرع اللّه في صوم رمضان عند انقضائه من زكاة الفطر فلم يبق الحج إلا أن يكون آخرا . واعلم أن الصلاة تضاف إلى ثلاثة وإلى رابع ثلاثة بمعنيين بمعنى شامل وبمعنى غير شامل ، فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل وهو الرحمة - فإن اللّه وصف نفسه بالرحيم - ووصف عباده بها فقال
( أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) *
وقال تعالى
( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ )
فوصف نفسه بأنه يصلي أي يرحمكم . وتضاف الصلاة إلى الملائكة بمعنى الرحمة ،
هامش
من الأقوال والأفعال كما علمنا الشارع لنا ، وهذا سار في كل مصل على كل حال ، والثانية أن يكون المصلي مع إمام وحده ، فمن تمام صلاته وإقامته الاقتداء به ، فلا يرفع حتى يرفع ، ولا
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 57 | ابن عربي / محمود محمود الغراب