[ سورة النساء ( 4 ) : آية 150 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 )
لذلك قال لهم الحق تعالى
« وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ »
فإنهم قالوا
« نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ »
وهو الحق
« وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ »
وهو الباطل فخلطوا بينهما ويتخيلون أن الحق يختلط بالباطل وليس كذلك
« وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا »
أي يحدثوا طريقا أخرى من عند أنفسهم .
واعلم أن جماعة من العقلاء جعلوا الشريعة بمعزل فيما زعموا ؛ والشريعة أبدا لا تكون بمعزل ، فإنها تعم قول كل قائل واعتقاد كل معتقد ومدلول كل دليل ، لأنها عن اللّه المتكلم ، فيه قد نزلت . وإنما قلنا في هذه الطائفة المعينة أنها جعلت الشريعة بمعزل مع كونها قالت ببعض ما جاءت به الشريعة ؛ فما أخذت من الشريعة إلا ما وافق نظرها . وما عدا ذلك رمت به أو جعلته خطابا للعامة التي لا تفقه ، هذا إذا عرفت واعتقدت أن ذلك من عند اللّه لا من نفس الرسول ، فقال تعالى عنهم على طريق الذم
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » .
وإن كان قد جاء الشرع بما هم عليه فما أخذوا ما أخذوا من كون الشرع جاء به وإنما قالوا به للموافقة احتجاجا . والطائفة السعيدة لا ترمي من الشريعة شيئا ، بل تترك نظرها وحكم عقلها بعد ثبوت الشرع لحكم ما يأتي به الشرع إليها ، ويقضي به ، فهم سادات العالم ، وأما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية ، فلا علم لهم بما هو الأمر عليه ، فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده ، وهذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع اللّه أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه ، فهو يؤمن ببعض وهو قوله
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
ويكفر ببعض ، فأولئك هم الكافرون حقّا ، فجعل العبد نفسه أعلم منه بربه نفسه ، وأكثر من هذا الجهل فلا يكون . والعبد المؤمن ينبغي له أن ينسب إلى الحق ما نسبه الحق إلى نفسه على حد ما يعلمه اللّه من ذلك ، إذا لم يكن ممن كشف اللّه عن بصيرته ، حتى رأى الأمر على ما هو عليه . وهذا هو الشرك الخفي فإنه نزاع للّه تعالى خفي في العبد ، لا يشعر به كل أحد ولا سيما الواقع فيه ، ويتخيل أنه في الحاصل ، وهو في الفائت . فهذا المنزه الجاهل ينزهه عن ذلك الوصف الذي وصف به الحق نفسه ، وأخذ يثني عليه بما يرى أنه ثناء على اللّه ، واللّه ما أمره أن ينزهه إلا بحمده أي بما أثنى على