من عند اللّه ، في الإيمان به - لا بالعمل بالحكم - ، فالشرائع كلها أنوار ، وشرع محمد صلّى اللّه عليه وسلم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب ، فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار
هامش
فإنه يستفهم بها كثيرا في الكلام المستأنف على كلام سبق ، فكأنه يقول : ما كنتم حاضرين ، فلم يبق إلا أن تعلموا ذلك من كتابكم أن يعقوب وإبراهيم كانا على اليهودية ، وأنتم تعلمون أن كتابكم ينطق بخلاف ما تزعمون ، وأنه قيل لكم :( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )فما أوصى إبراهيم بنيه الذي يعقوب منهم - فإنه ولد ولده - إلا بالملة الحنيفية وهو دين الإسلام ، فقولكم يناقض علمكم ، وقوله :« إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي »فأتى بما فإنها تنطلق على كل شيء بخلاف من ، فكأنه يقول : أي شيء تعبدون من بعدي ؟ وأما استفهامه بنيه لعلمه بأن قلوب الخلق بيد اللّه يقلبها كيف يشاء ، ولعلمه بأن أولاد الأنبياء قد يخرجون عن دين آبائهم ، وقد وقع هذا كله قبل يعقوب فيمن تقدم ، فأراد أن يرى ما يصرون عليه في قلوبهم بعد موته لينقلب مسرورا إن كان خيرا في جوابهم ، وإن سمع منهم غير ذلك فيدعو اللّه لهم - ما دام حيا - أن يجمعهم على الإسلام ، ولهذا قال« مِنْ بَعْدِي »فإنهم في هذا الوقت على دين أبيهم ، فقالوا :« نَعْبُدُ إِلهَكَ »أي نذل له بالطاعة لأمره ونوحده« وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ »تهمموا بتقديمه لما علموا من اصطفاء اللّه له بالخلة ، ولسنه ، ولأن ذلك مما يسر يعقوب ، وتلوه بإسماعيل ، فقالوا :« وَإِسْماعِيلَ »لأنه أسن من إسحاق ، وجعلوا العم هنا أبا فإن أبا يعقوب إسحاق ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : عم الرجل صنو أبيه ، فإن الأخوين من أب واحد كصنوان النخل« وَإِسْحاقَ »كل ذلك عطف بيان على« آبائِكَ »ثم قالوا :« إِلهاً واحِداً »لئلا يتوهم السامع الكثرة ، فهو بدل من إلهك وإله آبائك ، وقد قيل إن نصبه على الاختصاص ، أي نريد بقولنا إلهك وإله آبائك ، إلها واحدا« وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »منقادون لما يأمرنا به وينهانا عنه ، وإنما قدموا يعقوب بالذكر على آبائه لحضوره ، وللحاضر مزية على الغائب عند المخاطب ، وربما ذكروه بالقصد الأول على وجه الاقتصار عليه ، ثم إنهم لما ذكروه خطر لهم أن يذكروا آباءه ، ينبهوه أنك كما عبدت إله آبائك كذلك نحن نعبد ما كانوا يعبدون ، إذ كان شرع اسم الإسلام لإبراهيم ، ( 135 )« تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ »الآية ، تدل هذه الإشارة أن واحدا منهم قال : إنه ينتفع بانتسابه إلى آبائه الذين كانوا مع الأنبياء المتقدمين على دينهم ، فرد اللّه ذلك بقوله :« تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ »أي انقضت مدتها وذهبت بعملها ، يقال خلى الرجل إذا صار إلى مكان ليس فيه غيره ، ومنه الخلوة والخلاء ، لانفراد الشخص فيه ، وقوله :« لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ »يؤيد من يقول إنه لا ينوب أحد عن أحد في