تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 112 ]

بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) اعلم أن الإحسان أعلى درجة في الإيمان ، وأعلى الإحسان المشاهدة ، وأدناه المراقبة ، والمحسن قد تحقق الصدق في دعوى قوله
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
والصدق في هذه الدعوى إنما يكون بالإخلاص للّه سبحانه وحده ، فقوله :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
خطاب لموجود يشاهد مع العبادة ، ويراقب مع الاستعانة ، لأننا مع المشاهدة نرى أفعال اللّه تعالى فينا وفي غيرنا ، ومع المراقبة نعلم أنه الذي أسمعنا ما نسمعه في أنفسنا ومن غيرنا ، وهو الذي أوجد حركاتنا وحركات غيرنا وسكناتهم ، فالمشاهدة على هذا رؤية تقع موقع العيان ، والمراقبة رؤية قلب ، ولا تتحقق العبادة والاستعانة إلا ممن يعرف المشاهدة والمراقبة ، فمن أسلم وآمن وأحسن فقد عرف معالم الدين الذي نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ليعلم الأمة معالم دينهم ، ولا يظفر بهذه الصفة إلا من أسلم وجهه للّه وهو محسن .
هامش
تعالى أخبر أن ذلك من أمانيهم ، فشرحنا لكلام اللّه ، فهو شرح الشرح ، لعلمنا بأن اللّه صادق فيما يخبر به ، ولا حجة لهم ولا برهان على صدق ما أخبروا به ، ثم أكذبهم اللّه فقال : ( 113 )« بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ »قوله :« بَلى »إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ، ولم يقل سبحانه إن اليهود والنصارى لا يدخلون الجنة ، فإن اليهود والنصارى الذين آمنوا بنبيهم وأسلموا للّه وأحسنوا وماتوا قبل بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلم إنهم يدخلون الجنة ، فلهذا أضرب عن تعيين طائفة بعينها منا أو منهم ، وأتى بمن لفظة عامة ، تعم كل من عينه الوصف الذي وصفت به من إسلام الوجه للّه والإحسان ، فكأنه يقول ليهود المدينة القائلين هذا والنصارى : إنما يدخل الجنة من كان بهذه الصفة ، وهم أعلم بنفوسهم ، هل هم بهذه الصفة أم لا ، وقوله :« فَلَهُ »الفاء جواب من ، والضمير يعود عليه ، « وأسلم » بمعنى انقاد و « وجهه » عينه وذاته « للّه » من أجل اللّه ، أي لأمر اللّه حيث أمره« وَهُوَ مُحْسِنٌ »يعني في انقياده ، وهو أن يعبد اللّه كأنه يراه ، وقد يخرج محسن على إتيان مكارم الأخلاق« فَلَهُ أَجْرُهُ »على عمله ذلك الذي فرض له ، سواء طلبه أو لم يطلبه« عِنْدَ رَبِّهِ »« وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »قد تقدم شرحه في أول السورة ( 114 )« وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ »الآية ، يتوجه في هذه المقالة ثلاثة أوجه ،