تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 111 ]

وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 ) فأكذبهم في التحجير بما ذكره اللّه تعالى في أول سورة البقرة في قوله :
« أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
« قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
البراهين لا تخطئ في نفس الأمر ، وإن أخطأ المبرهن عليه ، فذلك راجع إليه ، وأما البرهان ، فقوي السلطان .
هامش
لكم من الأعمال المقربة إلينا« تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ »كما ورد في الصحيح [ إن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ] وقوله : [ إن فلانا استطعمك - الحديث ] وفيه [ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ] وقوله :« فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »إذا كان بالياء المنقوطة من أسفل فهو وعيد لهم ، أي اشتغلوا بما كلفتم عنهم وعن عقوبتهم ، فإن اللّه بما يعملون بصير ، والعامل في الباء بصير ، وبصير هنا عالم بأعمالهم ، أي بقصدهم فيها ، هل يسعدهم ذلك أو يشقيهم ، إذ ليس للرؤية بمعنى البصر فائدة ، ومن قرأ بالتاء فهو للمؤمنين خطاب من اللّه على ذلك الحد من علمه بالقصد في العمل ، ثم أخبر عنهم فقال : ( 112 )« وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى »جمع بالضمير بين القولين لاتحاد المقول ، وهو دخول الجنة ، إذ كل واحد من الطائفتين يضلل الأخرى كما سيأتي في قولهم :( لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ )عن اليهود ، ومثل ذلك من النصارى ، فكأنه قال : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، جمع هائد ، كعوذ جمع عائذ ، وحول جمع حائل ، ويقال للمذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وقد يكون هودا مصدر يؤدي عن الجمع ، كما يقال رجل صوم ، وزور ، وفطر ، للواحد والاثنين والجمع ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، فقال تعالى :« تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ »أي لم يكن الإخبار عما يجدونه في كتبهم ، وإنما هو شيء يتمنونه ، يعلم اللّه ذلك منهم ، فتلك إشارة إلى القولة إنها من أمانيهم المتقدمة ، كقوله :( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا )و( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ )و( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ )فتلك الأماني ، وأما احتجاجنا على التمني بقوله :( ما يَوَدُّ )وهو نفي التمني فلما يتضمنه من تمني النقيض ، ثم قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم« قُلْ »يا محمد لهم« هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »فإن الذي جاءوا به هو خبر محتاج إلى دليل على صدقه ، وليس لهم حجة ، لأنه خبر عن تمنيهم ، وليس في اللفظ ما يدل على التمني ، وإنما عرفنا ذلك من كون اللّه
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 174 | ابن عربي / محمود محمود الغراب