تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ]

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 )
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ »

[ في النسخ والانساء ]

أي علامة على صدق ما ادعاه ، فالآيات منسوخة في الأولياء لأنهم مأمورون بسترها ، محكمة في الأنبياء والرسل
« أَوْ نُنْسِها »
أي نتركها آية للأولياء كما كانت آية للأنبياء
« نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها »
من باب المفاضلة أي بأزيد منها في الدلالة ، وهي آيات الإعجاز فلا تكون إلا لأصحابها ، أو لمن قام فيها بالنيابة على صدق أصحابها ، فلا يكون لولي قط هذه العلامة من حيث صحة مرتبته ، وأما قوله
« أَوْ مِثْلِها »
الضمير يرجع إلى الآية المنسوخة ، فلم يكن لها صفة الإعجاز ، بل هي مثل الأولى ، ولا يصح حمل هذه الآية على أنها آي القرآن التي نزلت في الأحكام ، فنسخ بآية ما كان ثبت حكمه في آية قبلها ، فإن اللّه ما قال في آخر هذه الآية « ا لم تعلم
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » *
ولا حكيم ، ومثل هذه الأسماء هي التي تليق بنظم القرآن الوارد بآيات الأحكام ، وإنما قال اللّه تعالى :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
شرح
ثم قال ( 107 )« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »« * » سبب نزول هذه الآية فيما قيل ، أن اليهود قالت : ألا تنظرون إلى محمد يأمر بأمر ثم ينهى عنه ويأمر بخلافه ؟ فنزلت هذه الآية ، وهذا السبب كأنه لا يصح عندي ، فإن مساق الآية لا يعطيه ، فإنه قال في الآية« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »على جهة المدح ، وإبدال حكم بحكم من طريق التكليف ما فيه ذلك المدح من جهة القدرة ، إذ كان هذا تحت قدرة كل من له أمر مطاع في عشيرته ، بل الإنسان في بيته ، بل في نفسه ، وإنما الذي يقوي أنه سبحانه أراد بالآية هنا آيات الأنبياء صلوات اللّه عليهم التي نصبها دلالات بحكم الإعجاز على صدقهم ، وقد تقدم تكرارها كثيرا فقال تعالى« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ »أي من دلالة على صدق نبي ، ونسخها ذهابها ورفعها ، إذا كانت فعلا ، فإنه ينقضي ، ولهذا أتى بها نكرة« أَوْ نُنْسِها »يقول : أو نتركها ، مثل القرآن الذي هو آية مستمرة إلى يوم القيامة فلا يعارض ، وكذلك من قرأ « أو ننساها » أو نؤخرها ، وهو ما بقي من الدلالات والآيات ولم يذهب مثل القرآن وغيره ، والذي رفع كعصا موسى وإحياء الموتى ، وقوله« نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها »يقول : أقوى منها في الدلالة ، لأن الآيات قد تظهر للعام والخاص ، فتكون أقوى من الآيات التي لا يظهر كونها آية إلا للعلماء ، وقوله« أَوْ مِثْلِها »
هامش
( * ) تفسير هذه الآية بهذا المعنى الوارد هنا ، نسب إلى الشيخ محمد عبده كما جاء في تفسير المنار ، والثابت كما هو واضح أن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي هو السابق لهذا المعنى الذي لم يرد في تفسير آخر من كتب المفسرين .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 170 | ابن عربي / محمود محمود الغراب