[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 93 إلى 96 ]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 )
الحرص يتعلق به الذم من جهة متعلقه إذا كان مذموما شرعا وعقلا ، وقوله تعالى :
« وَلَتَجِدَنَّهُمْ »
الضمير يعود على قوم مذمومين ، وقرينة الحال تدل على أن مساقه الحرص فيها على الذم تكذيبا لهم فيما ادعوه من أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس .
هامش
إذ ذكرتم ما فيه عند أخذكم إياه بجد وعزم ، وزاد في هذا التعريف الثاني لنا أنه قال لهم« وَاسْمَعُوا »وهذا أقوى من الأول وأشد في التكليف ، أراد« وَاسْمَعُوا »لتعملوا بما سمعتم ،« قالُوا سَمِعْنا »ما قال ربك لنا في التوراة« وَعَصَيْنا »لأنه شدد علينا ووضع علينا من التكاليف ما يشق علينا فعلها ، ونحن نطلب الرفق ، ولهذا أحببنا عبادة العجل لأنه لم يكلفنا ووسع علينا ، فأخبر تعالى أنهم« أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ »أي خالط لحمهم ودمهم حبه ، قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم« قُلْ »لهم« بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ »في زعمكم إن صح كونكم مؤمنين ، فهو قوله« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »وقوله« بِكُفْرِهِمْ »بالتكاليف الشاقة عليهم . لما ثبت عندنا وعند اليهود أن الجنة خالصة للمؤمنين باللّه بلا شك ، وأنها دار راحة لا تعب فيها ولا نصب ، وأن الدنيا دار تعب ونصب ، والنفس مجبولة على طلب الراحة ، والجنة لا تحصل إلا بعد الموت ، فالموت مطلوب للمؤمن لتخليصه من المشقة وحصوله على الراحة ، وأنتم تزعمون أنكم مؤمنون ، وأن لكم الدار الآخرة ، يريد الجنة خالصة من دون الناس ، يريد الناس كلهم أو المسلمين خاصة ، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في القطع بسعادتكم ، فقال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ( 95 )« قُلْ »لهم« إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »ثم أخبر نبيه عن حال اليهود فقال ( 96 )« وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ »وهذا من آياته صلّى اللّه عليه وسلم نطقه بالغيب ، فأخبر بما يكون منهم من عدم تمني الموت قبل وقوع ذلك منهم ، فكان كما قال ، قال عليه السلام