تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
فافهم واعتبر ، فإنه ما أيه بك إلا لمّا سمعت ، وإن أمرك أو نهاك فامتثل ، وما ثم قسم رابع ، إنما هو خبر أو أمر أو نهي . واعلم يا أخي أن القرآن العزيز خاطبنا الحق به على طريقين : منه آيات خاطبنا بها يعرفنا فيها بأحوال غيرنا وما كان منهم ، وإلى أين كان مبدؤنا ، وإلى أين كانت غايتنا ، وهو الطريق الواحد ، ومنه آيات خاطبنا بها لنخاطبه بها ، وهي على قسمين : خاطبنا بآيات لنخاطبه بها مخاطبة فعلية ، مثل قوله تعالى
« أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
- و
آتُوا الزَّكاةَ *
- و
أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ »
وغير ذلك ، ومخاطبة لفظية مثل قوله
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
« رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا »
« رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا »
وأشباه ذلك كثير ، وليس القرآن يحوي على غير هذا ، وينبغي لك أن تتنبه للتفرقة في كلام اللّه تعالى إذا قرأته مثل قوله
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا »
وقف هنا وبين قوله
« آمَنَّا »
وقف ، ثم قل
« وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا »
وقف ثم قل
« إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ »
وقف ، ثم قل
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
فإنك إذا قرأته على هذا الحد عرفت أسراره ، وميزت مواقع الخطاب ، وحكايات الأحوال والأقوال والأعمال وتناسب الأشياء . الإشارة اعلم أيدنا اللّه وإياك بروح منه ، أنه ما خلق اللّه أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل اللّه المختصين بخدمته ، العارفين به من طريق الوهب الإلهي ، الذي منحهم أسراره في خلقه ، وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه ، ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم ، عدل أصحابنا إلى الإشارات ، كما عدلت مريم عليها السلام من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة ، فكلامهم رضي اللّه عنهم في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات ، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة ، ورد ذلك كله إلى نفوسهم ، مع تقريرهم إياه في العموم وفيما نزل فيه ، كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل الكتاب بلسانهم ، فعم به سبحانه عندهم الوجهين ، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ، ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير ، وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه ، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق ، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى ، فإن اللّه كان قادرا على تنصيص ما تأوله أهل اللّه