وقوله :
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ )
، مفتقر في صحة إلى ما قبله ، فوجب تعليقه عليه .
ثم إذا استقل الاستثناء باقتضاء إسقاط ما اختص بقطع الطريق ، لم يحتج إلى تعليقه بغيره ، فلا جرم كان ما يتعلق بالمذهب ، أن ما يتعلق بحق الآدمي قصاصا كان أو غرما ، لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه .
ولما كان قوله :
( يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً )
، على ما في الصحراء أو البلد ، استوى حكم قطع الطريق في البلد والمصر جميعا ، ومن فرق فإنما يفرق لا بحكم اللفظ ، بل بمعنى يتوهمه فارقا وهو غالط فيه .
ولما ثبت للشافعي أن الحكم ليس متعلقا بمجرد الفساد في الأرض ، ولا بمجرد قطع الطريق ، لكن تفاوت العقوبات على حسب تفاوت الجرائم ، فالردء المعاون في قطع الطريق ، لا يلزمه عقوبة من باشر القتل وأخذ المال ، وتقدير الكلام : يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا ان قتلوا وأخذوا المال ، فليس لمن لم يفعل من ذلك شيئا أن يدخل في جملتهم « 1 » .
قوله تعالى :
( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما )
« 2 » .
واعلم أن السرقة في العرف واللغة ، اختزال شيء على سبيل الخفية ومسارقة الأعين ، وقد ورد في بعض الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال :
« إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته » .
قيل يا رسول اللّه كيف يسرق صلاته ؟ قال : لا يتم ركوعها وسجودها .
إلا أنه ليس سارقا من حيث موضع الاشتقاق ، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا .
هامش
( 1 ) انظر روائع البيان ج 1 .
( 2 ) سورة المائدة آية 38 .