تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ذكرناه من المعاني التي استنبطها السلف من مضمونه وتحريهم موافقته مع احتماله لجميع ذلك ، يدل على أنه كلام اللّه تعالى ومن عنده ، إذ ليس في وسع البشر إيراد لفظ على هذه الوجازة يتضمن هذه المعاني البديعة . قوله تعالى :
( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى )
. يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يشهد على الآخر ، وإن رأى الخط ، إلا أن يكون ذاكرا لما يشهد به . ثم قال :
( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا )
، فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به ليتذكر به كيفية الشهادة ، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها . وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال لا أذكر ، ثم تذكر ، يجوز له إقامة الشهادة « 1 » . ثم إن اللّه تعالى إنما ذكر في المداينات الحجج التي تستقل بإثبات المداينات ، ولم يتعرض لما سواها ، وقد ظن ظانون من أصحاب أبي حنيفة ، أن إسقاط العدد المذكور في القرآن لا يجوز ، وأن الذي جعله الشرع سببا لا يجوز تغييره والنقصان منه ، ولا يحط منه وصف الرضا وهو العدالة ، ولا الوصف الآخر وهو العدد ، ثم قال :
( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا )
.
هامش
( 1 ) إذ معنى « أن تضل » أن تنسى لأن الضلال هو الذهاب عن الشيء فلما كان الناس ذاهبا عما نسيه جاز أن يقال ضل عنه بمعنى أنه نسيه ( جصاص ) .