غيرهم ؛ فأمرهم بحفظ زادهم ونهاهم عن السفر بغير زاد ، وأمرهم بالتقوى وكفّ الظلم ومعنى الآية : تزوّدوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء مناسككم ؛ فإنّه لا برّ للّه في ترك التزوّد ومسألة الناس ، ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها ، ولكن البرّ في التقوى وهو اجتناب ما نهاكم عنه ، وفعل ما أمركم به ، وإنّه خير الزاد .
وروي عن مجاهد قال « 1 » : كانوا لا يركبون ولا يتزوّدون ؛ فأمروا بأن يركبوا ويتزوّدوا .
قال الضحّاك : التقوى العمل بطاعة اللّه . قال الأعشى :
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولاقيت بعد اليوم من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله * ولم تك أرصدت الذي كان أرصدا
ثمّ قال :
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
أي ذوي العقول .
قال الحسن « 2 » : إنّما هذه الدنيا بلغة فمتزوّد خيرا ومتزوّد شرّا ، وكلّ خارج عنها بما تزوّد .
الأسرار
قال المتزوّدون خير الزاد : إنّ خير الزاد التقوى وكلمة التقوى في تفسير قوله :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى :
لا إله إلّا اللّه ؛ فخير الزاد كلمة لا إله إلّا اللّه ، وهو البلاغ المبين إلى الآخرة .
ومعنى
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
أي وحّدوني بقول : لا إله إلّا اللّه ، واخشوني ؛ فلا تجسروا عليّ بالجدال فيّ ، والوصف لي بما لم أصفه في كتابي ، والقول في أسمائي بصفاتي وأحكامي وآياتي بآرائكم الفائلة وعقولكم الناقصة وأهوائكم الباطلة ، ولا يظمأ على التقوى زرع قوم ؛ وأوّل قدم في التقوى أن يتّقي القول في اللّه بما لم يرد به سمع ولا كتاب منير .
وسرّ آخر : في قوله تعالى :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
لمّا كانت التلبية إجابة للدعوة الهادية ، وكانت الدعوة مقصورة على ثلاث مراتب : الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن كما قال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
وكلّ ما يخالف الحكمة فهو رفث ، وكلّ ما يخالف
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .
( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .