وقال أيضا : هو الرجل يصيب الذّنب ، فيلقي بيديه ويقول : لا توبة لي ، هو قول عبيدة السلماني ومحمّد بن سيرين ؛ وعن الفضيل بن عياض قال : هو إساءة الظنّ باللّه ؛ وروى أنس بن مالك ( رض ) عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قال : « لا يموت أحدكم إلّا وهو يحسن الظنّ باللّه » 78 وقال أبو عبيدة والزجّاج : التهلكة هو الهلاك ؛ وقال الليث : كلّ شيء تصير عاقبته إلى الهلاك هو التهلكة .
قال المبرّد « 1 » : الباء زائدة والمعنى لا تلقوا أيديكم كقوله تعالى
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ،
والمراد بالأيدي الأنفس أي لا تلقوا أنفسكم .
وقال بعض أهل المعاني « 2 » : معناه لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة ، وقوله :
وَأَحْسِنُوا
أي في أداء ما لزمكم من الفرائض وتجنب ما لا يحسن بكم من المعاصي ( 324 ب )
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يرضى فعلهم ويحسن إليهم ؛ وعن عكرمة قال :
أحسنوا الظنّ باللّه ؛ وقيل : وأحسنوا بإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف .
الأسرار
قال المنفقون في سبيل اللّه : إنّ الجهاد نوعان : جهاد باللسان وجهاد بالسيف ؛ والجهاد باللسان هو إقامة الحجّة والبرهان على المنكر المعاند ليقتل نفسه على الشرك والكفر ويجنبها القتل بالتوحيد والطاعة ، والجهاد بالسيف هو بأمرين أحدهما النفس والثاني المال .
الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فمن بخل بالمال فقد جبن بالنفس ، ومن جاد بالمال فقد سمح بالنفس ، والبخل والجبن خلقان متلازمان كما أنّ الجود والشجاعة خلقان متلازمان ، ومن كان بنفسه جوادا ، كان بماله أجود ، ومن كان بماله بخيلا كان بنفسه أبخل ؛ فأمروا بالإنفاق في سبيل اللّه ليتقرّر عليهم شجاعة الأنفس ، ثمّ نهاهم عن التهوّر ؛ إذ قد يعدّ التهوّر شجاعة ، وربّما يكون المتهوّر جبانا . فقال :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وقد قيل : أمرهم بالجود ونهاهم عن الإسراف ، كما أمرهم بالشجاعة ونهاهم عن التهوّر ؛ والإحسان هو الجمع بين الأمرين : الجود والشجاعة
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يحبّ المنفق ولو بشقّ تمرة ، ويحبّ الشجاعة ولو على قتل حيّة .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .
( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .